سورة الكافرون
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩هذه الافتتاحية الآمرة بـ"قل" خطابا لرسول الله هي -كما تقدم- لزيادة الاهتمام بما يقال بخصوص ذلك الموقف المساوم من طرف أولئك السّادات الأربعة، كما أن نداءهم بوصف: (الْكَافِرُونَ) -وإن كان يمثل حقيقتهم وقد يغضبهم ذلك الوصف- فإنّ فيه تحقيرا لشأنهم وتأكيدا للتّبرّء من موقفهم دونما مصانعة ولا رياء. تأييسا من كل مطمع يحاولون به المساس من قدسية الدّين.
فقوله تعالى على لسان رسول الله: (لآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، فدخول: (لا) النّافية على المضارع تفيد النّفي في المستقبل كما قرّر علماء اللغة، و (مَا) بمعنى "الذي" في الآيتين الثّانية والثّالثة، يدلان على الاختلاف في المعبود، فالرّسول معبوده الحق هو الله وحده، والكافرون معبوداتهم الباطلة هي الأصنام والأوثان، بينما الآيتان الرّابعة والخامسة تدلاّن على الاختلاف في العبادة نفسها، وهذه هي إحدى الاحتمالات لذلك التّكرار.
ويرى بعض المفسّرين حمل أحدهما على الحال، وحمل الثاني على الاستقبال، أو أن التّكرار لمجرّد التّوكيد والجزم والرّفض، والله أعلم.
(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ): الآية الخاتمة تلخّص ما سبق، وتعلن المفاصلة التّامة بين التّوجّهين: لَكُمْ دِينُكُمْ الذي هو الكفر والشّرك، فهو محصور فيكم لا يتجاوزكم إليّ، وأنا لي ديني الحق لا يتجاوز إليكم، وهذا من الإخبار الغيبي لرسول الله في شأن أولئك الأربعة المساومين، فقد ماتوا كلهم على الكفر.
ويرى بعض العلماء أنه لا يجوز أن يجري النّاس هذه الآية بينهم مجرى المثل؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به.
والله أعلم.