نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّصر

الجزء ١ · صفحة ٢٩٧

وهكذا فقد أنجز الله وعده لنبيه، فكان ذلك النّصر المؤزر لدعوته التي عرفت عام الوفود سنة تسع، إذ تهاطلت وفود القبائل العربية إلى المدينة لتعلن إسلامها لرسول الله، وتروي السّيرة أنه اجتمع حول رسول الله سنة عشر في حجة الوداع ما يزيد عن مائة ألف حاج من المسلمين، فألقى فيهم خطبته الشّهيرة التي وضع فيها مواد الدّستور للأمة الإسلامية، فأنزل الله قوله منعما ممتنا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة:3).

فإذا كان الله تعالى قد حقّق نصره وأنجز وعده بالكيفية التي قدّرها، وفي الوقت الذي حدّده، وبالأسباب التي سخّرها على أيدي رسوله والمؤمنين معه، فإنّ النّصر … -إذن- نصره، والفتح فتحه، فما هو شأن الرّسول؟ وماذا عليه أن يفعل أزاء فضل الله عليه وإكرامه بتلك المنة؟ نجد الإجابة على ذلك السّؤال في جواب الشّرط بقوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).

إنّ شأن الرّسول ومن معه -وقد هزتهم البشرى وأخذتهم نشوة النّصر- أن يستقبلوا كلّ ذلك الفيض الرّباني وفضله العميم بتسبيح مولاهم مصحوبا بالحمد له، والتّسبيح هو التّنزيه للذّات العلية من كلّ دنس أو نقص مما لا يليق بجلاله وعظمته، والحمد هو الثّناء والشّكر لله بالقلب واللّسان، ومع التّسبيح والحمد لله الاستغفار، أي طلب الغفر -الستر للذنوب-، وهل كان للنبي ذنوب حتى يستغفر منها؟.

ففي الوقت الذي نقرأ فيه: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) (الفتح:2). نقرأ فيه -أيضا- قوله: (فَاعْلَمَ اَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد:19). وكما نقرأ هنا أمر الله له بالاستغفار.

٦٬٤٦٨ / ٦٬٧٦٧