سُورة الإخلاَص
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦ولم يسلم اليهود من أرجاس الشّرك مع النّصارى، بادّعائهم البنوّة لله -حاشاه- (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَالِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ) (التّوبة:30). ثم قال (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمُ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) (التّوبة:31). وقد أشار القرآن إلى عقيدة الثّنوية عند المجوس باعتقادهم في إله الخير وإله للشّر يعاكسه، فردّ الله عليهم بقوله: (وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (النّحل:51).
وأما الوثنية العربية بعبادة الأصنام وما نسجوا حولها من الخرافات والأوهام، فتلك هي العقبة الكأداء التي واجهتها الدّعوة الإسلامية بصرامة وإصرار، وأحبطت كل المحاولات التي أرادت أن تداهن وتساوم، وقد لخصت سورة "الكافرون" تلك الصّرامة وذلك الإصرار في إعلان المفاصلة التّامة بين الكفر والإيمان.
وحتى الفكرة الإلحادية المادية واجهها القرآن بحدّة ونكران فقال جلّ من قائل: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ اِنْ هُمُ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (الجاثية:24). ففي خضمّ تلك التّراكمات الضّالّة التّائهة، يقف رسوله الله ليعلن على مسمع الدّنيا أحدية الخالق وصمديته، يحدو بالموكب البشري إلى المصدر الحق للوجود الخالق العظيم، الله جلّ جلاله، ويصفه بما هو أهل له من صفات الكمال المطلق وهو يتلقى هذا الأمر الإلهيّ: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ).