نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة الإخلاَص

الجزء ١ · صفحة ٣٠٧

فالأمر الإلهي: بـ (قُلْ) هو للإجابة على السّؤال الذي طرحه المشركون عليه بقولهم: يا محمد أنسب لنا ربّك، ومثل هذا السّؤال يعكس التّصوّر الفاسد لدى المشركين لحقيقة المعبود الحق، وخير دليل على ذلك جعلهم الملائكة بناتا لله … -حاشاه-، فالأحدية أدق تعبير من الواحدية؛ لأنها تفيد التّفرّد للخالق في ذاته وصفاته، فلا يعتريه التّركيب ولا التّجزئة كشأن المخلوق، إنها أحدية الوجود المطلق، وكل ما سواه من عالم الأمر والخلق يستمدّ منه وجوده، فالله الأحد هو الخالق الذي انبثق عنه الوجود، وهو الفاعل المتصرف المحرك لذرات الكون التي تخضع للزوجية في خلقتها كما قال تعالى: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ) (الذّاريات:49). فإذا استقرت فكرة الأحدية الإلهية في الضّمير الإنساني فإنّه يتخلص من التّعلق بأي شيء من هذا الوجود الماديّ، وبالتّالي يتحرّر من جميع القيود إذ يراها باطلا وعرضا زائلا.

ألا كل شيء ما خلا الله باطل … وكل نعيم -لا محالة- زائل

وحتى الأسباب التي سخرها الله للإنسان في عالم الخلق، والتي لا مناص من الأخذ بها لتحقيق رغباته، يجب على المؤمن أن لا يغترّ بها بل يعزي فاعليتها إلى المسبّب الحقيقي وراءها وهو الله تعالى، وهو القائل في محكم كتابه: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ، أَفَرَآيْتُم مَّا تُمْنُونَ) إلى قوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الواقعة:57 - 96). وقال: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) (الأنفال:17). وأمّا الصمدية فإنها تعني عدة معان متقاربة تتلخّص كلها في معنى الذي يصمد إليه في الحاجات، يقصده كل مخلوق ولا يستغني عنه أحد، وهو الغنيّ عما سواه. (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ اِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15).

٦٬٤٧٨ / ٦٬٧٦٧