سُورة الفلق
الجزء ١ · صفحة ٣١٢فالشّرّ هنا مسند إلى المخلوقات لا إلى الخالق، لأنه تعالى منزه عن الشّرّ، فكانت أسماؤه كلها حسنى، وما يقضيه -أحيانا- على عباده من أنواع المصائب تربية لهم وتحذيرا لا يوصف ذلك بالشّرّ، بل هو محض الخير والعدل، كما علّل الله القصاص من القاتل بقوله: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَآ أُوْلِي الاَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179).
وقد جاء في الحديث الصّحيح قوله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: «لبيّك وسعديك، والخير في يديك، والشّرّ ليس إليك».(1)
(وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ اِذَا وَقَبَ): بعد الاستعاذة بالله من شرور الخلق بصفة عامّة خصّ الله بالذّكر بعض الأوقات التي يكثر فيها الشّرّ، فذكر ظلمة اللّيل عندما تخيّم على الكون، وهو الغاسق إذا وقب، فالليل مخوف بظلامه، وهو مظنة لكثير من الشّرور، وقديما قالت العرب: "اللّيل أخفى للويل"، فهو مسرح للأرواح الشّريرة، ومجال للمخلوقات المؤذية من البشر والحيوان والهوامّ، وجاء في الحديث بأن الفاسق إذا وقب: هو القمر إذا انخسف نوره. غير أن الآية عامّة تشمل ما ذكرناه.
وللرسول إرشادات لأمته في ما ينبغي أن يحتاطوا له في ظلمة اللّيل إذ قال: «إذا كان جنح اللّيل فكفّوا صبيانكم، فإن الشّياطين تنتشر حينئذ، فأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشّيطان لا يفتح بابا مغلقا وأوكئوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمّروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئا، وأطفئوا مصابيحكم».(2)
(1) - رواه مسلم من حديث علي، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم 771.
(2) - رواه البخاري من حديث جابر، كتاب الأشربة، باب تغطية الإناء، رقم 5623.