سُورة الفلق
الجزء ١ · صفحة ٣١١ثم إن كثيرا من تلك الإذايات من طرف المشركين لرسول الله قد صرفها الله عنه ويقول له: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة:67) ويقول: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:137). فلليهوديّ ولكل عدوّ من أعداء رسول الله أن يحاول الإضرار به بالسّحر أو بغيره فإن الرّسول في كنف الله ورعايته لا يتأثر ولا يضره شيء، وهذا ما رجحه الإمام ابن عاشور في تفسيره حين قال: "وجملة القول هنا أنه لما كان الأصحّ أن السّورة مكيّة فإن النبي مأمون من أن يُصيبه شرّ النّفاثات لأنّ الله أعاذه منها".(1)
قال تعالى: (قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِن شَرِّ مَا خَلَقَ): هذا الأمر بالقول لرسول الله وهو يشمل أمته، ويقتضي المحافظة على ما ورد في المقول من الألفاظ للتعوذ بها كما جاء بها القرآن حتى كلمة: (قُل)، واختيار صفة الرّبوبية مناسب للدلالة على معنى الرّعاية والحفظ. والفَلَق من الفَلْق أي الانشقاق عن باطن الشّيء، وهو يشمل ظواهر كثيرة أعظمها انفلاق الصّبح عن ظلمة اللّيل وانفلاق أنواع الحياة من الحيوان والنّبات، فصّل الله ذلك في قوله: (إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَالِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُوفَكُونَ، فَالِقُ الاِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَالِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (الأنعام:95 - 96).
والعوذ برب الفلق أي الالتجاء والاحتماء به من شرّ خلقه إجمالا، وللمخلوقات كلها شرور وإذايات، كما أن لها خيرا ونفعا في الاحتكاك والانتفاع ببعضها البعض.
(1) - التحرير والتنوير: 30/ 628.