نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة النّاس

الجزء ١ · صفحة ٣١٦

قال الله تبارك وتعالى في المستعاذ به: (قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ)، القول في هذه الافتتاحية بالأمر الإلهيّ لرسوله: (قُل) هو نفس القول مما تقدم في افتتاحية السّورة السّابقة من وجوب الالتزام بألفاظ المقول كما صاغها الله تعالى، والخطاب للرسول ويشمل أفراد أمته تأسّيا به في الالتجاء إلى الله وحده والاحتماء بكنفه، فإذا كانت سورة الفلق طلبا للحماية من شرور المخلوقات الظّاهرة التي تصيب الإنسان في محيطه من الخارج، فإنّ سورة النّاس طلب للحماية من الشّرور التي تنبثق من داخل الذّات الإنسانية، وذلك لأن الإنسان مزدوج التّكوين، إذ هو في تكوينه الجسديّ الماديّ حيوان مخلوق من تراب الأرض محكوم بغرائزه الشّهوانية من طعام وشراب وجنس، وهو في طبيعته الملكية الرّوحية نفخة من روح الله خلقه فسوّاه ونفخ فيه من روحه. قال تعالى: (اِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآَئِكَةِ إِنِّي خَالِقُم بَشَرًا مِّنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (ص:71 - 72).

فمنذ بدء الخليقة كما قصّها الله في القرآن والبشر هم كما خلقهم الله، كيان ماديّ وكيان روحي في ذات واحدة مترابطان لا ينفصلان، فهم معرّضون للشّرور تصيبهم في كيانهم المزدوج: الماديّ والرّوحيّ، كما ينالون من الخير ما يقدّره الله في مسار حياتهم ابتلاء لهم من الله في الحالتين: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35). قال الشّاعر:

يهون علينا أن تصاب جسومنا … وتسلم أعراض لنا وعقول

٦٬٤٨٧ / ٦٬٧٦٧