سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٣١٧وقد ترتبت أوصاف الذات الإلهية مضافة إلى النّاس، فتدرجت من الرّبوبية، إلى الملكية، إلى الإلهية، وهي كما تقدم في التّحقيق اللّغويّ قد تضمنت معاني أسماء الله الحسنى كلها، وأن ذلك التّدرّج في ترتيب الصّفات الثّلاث لتناسب تدرّج الإنسان في أطوار سنّه، كما بينه الإمام ابن القيّم في تفسيره للمعوذتين، إذ ناسب وصف الرّبوبية طور الطّفولة والصّبا، لما في الوصف من معاني الرّعاية والعطف والحنان، ووصف الملكية يناسب طور الشّباب والكهولة للدلالة على معنى القوّة والسّلطان، أما وصف الألوهية فيناسب طور الشّيخوخة والهرم لما يغلب فيه من التّوجّه إلى الله والتّعبّد والطّاعة استعدادا للقائه. وهو ملحظ دقيق، -والله أعلم بمراده-.
ومع كل صفة تتكرر الإضافة إلى النّاس تشريفا واهتماما بهم؛ لأن نوع الشّرور والمستعاذ منها في هذا تخصّهم، فما هي تلك الشّرور المستعاذ منها؟.
يقول تعالى: (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ): و (الْوَسْوَاس) هو الذي يوسوس، أي يلقي بالأوهام والخواطر الخفية في النّفس، وهذه الظّاهرة النّفسية التي نشعر بها ولا ندري كيف تتسرب إلى نفوسنا، ولكننا نحسّ بآثارها على سلوكنا وواقع حياتنا، وقد أخبرنا الله عن تلك المعركة بين آدم والشّيطان منذ بدء الخليقة بما وسوس به لأبينا آدم من معصية الله بأكله من الشّجرة الممنوعة حتى يخرجه من الجنة حسدا وبغيا، ثم إعلانه لتلك الحرب الإغوائية على ذريته بعد أن أنظره الله إلى يوم يبعثون، وسلاحه الفتاك في تلك المعركة إنما هو الوسواس بالشّرّ، ومن رحمة الله على الإنسان أن لم يتركه أعزل مجردا من سلاح المقاومة، بل جعل له من ذكر الله وقاية، ومن الاستعاذة به درعا يقيه شرّ الوسواس الذي وصفه الله بالخناس أي الذي يختفي ويخنس عند ذكر الله كما قال تعالى: