سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٧٧(وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ): أي تقتلع من أماكنها وتنسف حتى تصير هباء منبثا، كما قال تعالى في آية أخرى: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنْبَثًّا) (الواقعة:5 - 6). فتميد الأرض بما يصيبها من الزّلازل والبراكين، فلا يبقى على وجه الأرض من ملجأ تلوذ به الكائنات بله أن تهتمّ بما كانت تعتني به من كرائم أموالها كما كان المخاطبون يفعلون بعشارهم، وهي النّوق الحبالى في شهرها العاشر، لأنّها مرجوّة النّفع بالولد واللبن، وتعطيلها في هذا اليوم المهول بمعنى إهمالها وتركها هائمة بلا راع لشدة الهول.
(وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ): ومن طبيعة الوحوش أنها تحسّ بالخطر قبل وقوعه فتتجمّع شاردة من الخوف لا تأوي إلى جحورها، وقيل: حشرها هو بعثها لإهلاكها حتى تصير ترابا.
(وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ): والتّسجير يكون بمعنى ملئها وتحطيم الحواجز بينها حتى تفيض وتغمر اليابسة وقد رأت البشرية نموذجا صغيرا من حدث التسونامي في جنوب شرق آسيا، إذ هلك فيه الآلاف. ويحتمل أن يكون التّسجير بمعنى تفكيك عناصر مياهها بقوّة الحرارة فتتطاير غازات ملتهبة، ولعل قوله تعالى في سورة الانفطار: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) يؤيّد المعنى الأخير.
ويذكر الله بعد ذلك ما يحدث في البعث فيقول: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّمَآءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ).