سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٩٩ثم بيّن الله دوافعهم الباطنية إلى ذلك وهدّدهم بالطّرد من رحمته: (كَلاَّ بَل رَّانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ، كَلآَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ، ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ).
(كَلاَّ بَل رَّانَ): ردع وإضراب عما سبق لبيان حقيقة دوافعهم في ذلك التّكذيب، وأنه بما غشى قلوبهم من أوضار الإثم والمعصية، فلا يتسرّب إليها بصيص من نور الهداية، والرّان هو غطاء معنويّ يحجب القلوب عن أنوار الإيمان حتى ينطمس كما عرفه رسول الله في ما رواه التّرمذي عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: (كَلاَّ بَل رَّانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)».(1) والطّبع أشدّ من الرّين.
وفي التّهديد لهؤلاء قال تعالى: (كَلآَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ)، وعن مصيرهم المشؤوم جزاء تكذيبهم بدأ الله بحرمانهم من النّعيم الرّوحي الذي يتمتع به الأبرار، وهو حجبهم عن رحمة الله ورضوانه، أو حجبهم عن جلال ربهم ولذة النّظر إلى وجهه الكريم عند من يقول بإمكان الرّؤية في الآخرة، وهي لا تتاح -إن تحققت- إلا للروح النّقية والقلب الوفي والنّفس المطمئنة الآمنة، وهؤلاء المكذبون نسوا الله فنسيهم وطردهم من رحمته، فهم يحترقون في نار السّعير، ومع ذلك التّوبيخ والامتهان من ملائكة العذاب إذ يقولون لهم: (هَذَا الذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ)، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟، أعاذنا الله من عذاب جهنم ومتعنا برحمته ورضوانه، والله أعلم.
(1) - رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب من سورة ويل للمطففين، رقم 3406.