سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦قال: فرجع بها ترجف فؤاده حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع فقال: يا خديجة، مالي؟ وأخبرها الخبر وقال: قد خشيت على نفسي. فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقرئ الضّيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وهو ابن عمّ خديجة أخي أبيها، وكان إمرءً قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: أي يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله بما رأى فقال ورقة: هذا النّاموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيّا حين يخرجك قومك، فقال الرّسول: أو مخرجي هم؟. فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي».(1)
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ، خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ): إنها افتتاحية عظيمة الشّأن جليلة القدر أن يكون أوّل خطاب إلهي وجّه لرسول الله في أوّل اتّصاله بالملإ الأعلى، وفيه دعوة ملحّة إلى القراءة والكتابة، وهما أعظم وسيلة لاكتساب العلم والمعرفة، وأن يبقى ذلك شعار الإسلام خالدا على مرّ الأزمان والدّهور، وكان من قدرة الله وفضله على هذا الرّسول الكريم، ومن خلال شخصه الكريم على أمته، أن ييسّر لهم تلك الوسيلة، وهم الأميّون التّائهون في ضلالات الجاهلية العمياء، فقال تعالى ممتنا على رسوله وعلى أمته:
(1) - رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 03.