نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة النّاس

الجزء ١ · صفحة ٢٠٨

(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ، الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ): كرّر الله الأمر بالقراءة لتأكيد الاهتمام بها. وبما أن المفعول لم يذكر كان ما أملاه عليه جبريل من كلمات الوحي الأولى هي المأمور بقراءتها، وتكون الجملة الحالية من قوله: (وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ، الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)، بمعنى: وكان من عظيم كرمه ومنته على رسوله أن يسّر الله له القراءة وهو الأميّ؛ لأن العلم يحصل بكثير من الوسائل، ومنها ما عرفته البشرية قديما الكتابة بالقلم كما قال أمير الشّعراء:

سبحانك اللّهم خير معلّم … علّمت بالقلم القرون الأولى

وبالإلهام والوحي بالنسبة للأنبياء والرّسل، وتخصيص القلم بالذّكر دون الوسائل الأخرى هنا يوحي بما من الأهمية القصوى لهذه الأداة الصّغيرة التي تحركها الأنامل لتخط على القرطاس ما يجول في الخواطر وما يتدبره الإدراك من حقائق العلم ودقائقه، ولا تزال الكتابة الوسيلة العظمى لضبط العلوم والمعارف وانتقالها بين مختلف الحضارات وذلك على الرّغم من تطوّر التّكنولوجيا المعلوماتية في هذا العصر.

(كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى): حرف: (كَلآَّ) للزّجر والرّدع، ولكن ليس في الجملة السّابقة ما يقتضي الرّدع، غير أن ما جاء بعدها يقتضي ذلك، أي: (أَرَآيْتَ الذِي يَنْهَى، عَبْدًا اِذَا صَلَّى)، ولذلك قال بعض المفسّرين: إنها تأخذ معنى "حقا"، أي: حقا إن أمر هذا الإنسان عجيب، كيف يخضع ويذل حال فقره، ثم هو يتكبّر ويطغى حال شعوره بالغنى والثّروة والجاه. ونجد هذا الشّعور في كثير من النّاس حتى وهم يدّعون الإيمان.

٦٬٦٥٥ / ٦٬٧٦٧