نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة النّاس

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

فالفريقان -وإن كانوا مشتركين في الكفر- فإن تغيير الصّلة ما بين الفعل: (الذِينَ كَفَرُوا) واسم الفاعل: (الْمُشْرِكِينَ) يدلّ على أن كفر أهل الكتاب أخفّ من كفر المشركين، لأن كفرهم حادث بعد إيمانهم، وخبر: (لَمْ يَكُنِ) هو قوله تعالى: (مُنفَكِّينَ)، وهو اسم فاعل: انفكّ، وهو مضارع فعل: فكّ، أي انفصل، فيقال: انفك الرّجل عن فعل كذا، بمعنى تركه وتخلّى عنه. ولم يذكر الله انفكاكهم عن ماذا؟، والمفهوم من السّياق أنهم ينفكون عن كفرهم حين يأتيهم الرّسول بما يتبيّن به الحق، وذلك ما تفيده أداة: (حَتَّى) التي هي للغاية، وقد أشكل على المفسّرين توجيه هذه الآية بالنّظر إلى ما جاء بعدها، ولخّص الإمام الرازي ذلك الإشكال بقوله: "وجه الإشكال أن تقدير الآية: (لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)، أي التي هي الرّسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا؟. لكنه معلوم، إذ المراد أنه الكفر الذي كانوا عليه، فصار التّقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البيّنة التي هي الرّسول. ثم إن كلمة: (حَتَّى) لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرّسول. ثم قال بعد ذلك: (وَمَا تَفَرَّقَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)، وهذا يقتضي أن كفرهم زاد عند مجيء الرّسول عليه السلام فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثّانية مناقضة في الظّاهر، هذا منتهى الإشكال فيما أظن". ثم راح يشرح هذا التّناقض.(1)

(1) - عن كتاب: فهم القرآن الكريم، القسم الثالث، صفحة: 277.

٦٬٦٧١ / ٦٬٧٦٧