نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة النّاس

الجزء ١ · صفحة ٢٨٠

ومما ورد من تفسير السّلف لكلمة: (الْكَوْثَرَ) ما جاء في صحيح البخاري عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: "هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإنّ الناس يزعمون أنّه نهر في الجنة، فقال سعيد: النّهر الذي في الجنّة من الخير الذي أعطاه الله إياه".(1)

ب) - (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرِ): الفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، فقد رتبت الأمر بالصّلاة والنحر للرّب وحده على إعطاء الكوثر، وتوجيه الأمر بذلك لرسول الله -وهو الذي لا يتخلّى عن الصّلاة والنّحر لله- فيه تسلية له وتعريض بالمشركين الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية ويقدّمون قرابينهم للأصنام، وقد تكون الصّلاة المأمور بها هنا صلاة خاصة كصلاة العيد، وذلك لذكر النّحر بعدها، وقد تكون عامّة.

وقوله: (لِرَبِّكَ) اللاّم للاختصاص تفيد معنى الإخلاص في التّوجّه لعبادة ربك، والنحر يكون للإبل والذّبح للأغنام والبقر، أي دُم على ذلك -أيها الرّسول- واستمرّ عليه خلافا لما يفعله المشركون. وفي هذا -أيضا- توجيه للمؤمنين لنبذ الرّئاء والتّهاون في أداء العبادات، كما تقدم في السّورة السّابقة.

فإذا التزم المسلمون بحسن توجّههم إلى الله وحده في صلواتهم كما توحي به هذه الآية، فإننا نلاحظ اختلالا كبيرا في تقديم نسكهم لله وحده، وذلك بما ابتدعته طوائف من المسلمين من اتخاذ مزارات الأولياء محل تقديس وتبرّك، ينظمون زيارات لها ويطعمون الطّعام ويذبحون وينحرون عندها، وربما أشركوا اسم الوليّ مع اسم الله في النّحر أو الذّبح مما هو من الشّرك -لا محالة-.

ومثل هذه التّوجيهات الرّبانية تحذر المسلمين من ذلك، وتؤكد ما يجب أن يكون عليه المؤمن من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له صلاة أو نسكا.

(1) - رواه البخاري، كتاب التفسير، باب سورة إنا أعطيناك الكوثر، رقم 4966.

٦٬٧٢٧ / ٦٬٧٦٧