سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣ب) - (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرِ): الفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، فقد رتبت الأمر بالصّلاة والنحر للرّب وحده على إعطاء الكوثر، وتوجيه الأمر بذلك لرسول الله -وهو الذي لا يتخلّى عن الصّلاة والنّحر لله- فيه تسلية له وتعريض بالمشركين الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية ويقدّمون قرابينهم للأصنام، وقد تكون الصّلاة المأمور بها هنا صلاة خاصة كصلاة العيد، وذلك لذكر النّحر بعدها، وقد تكون عامّة.
وقوله: (لِرَبِّكَ) اللاّم للاختصاص تفيد معنى الإخلاص في التّوجّه لعبادة ربك، والنحر يكون للإبل والذّبح للأغنام والبقر، أي دُم على ذلك -أيها الرّسول- واستمرّ عليه خلافا لما يفعله المشركون. وفي هذا -أيضا- توجيه للمؤمنين لنبذ الرّئاء والتّهاون في أداء العبادات، كما تقدم في السّورة السّابقة.
فإذا التزم المسلمون بحسن توجّههم إلى الله وحده في صلواتهم كما توحي به هذه الآية، فإننا نلاحظ اختلالا كبيرا في تقديم نسكهم لله وحده، وذلك بما ابتدعته طوائف من المسلمين من اتخاذ مزارات الأولياء محل تقديس وتبرّك، ينظمون زيارات لها ويطعمون الطّعام ويذبحون وينحرون عندها، وربما أشركوا اسم الوليّ مع اسم الله في النّحر أو الذّبح مما هو من الشّرك -لا محالة-.
ومثل هذه التّوجيهات الرّبانية تحذر المسلمين من ذلك، وتؤكد ما يجب أن يكون عليه المؤمن من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له صلاة أو نسكا.
ج) - (اِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الاَبْتَرُ): وهذا ردّ صريح لقول أولئك السّفهاء من خصوم رسول الله، فالأبتر هو المقطوع عن الخير في الدّنيا والآخرة. وبعد التّقرير الإلهي بإعطاء الكوثر لرسوله تجيء هذه الآية الأخيرة لتردّ المكيدة على صاحبها، وذلك باختيار صيغة القصر مع التّوكيد، بأن مبغضك -أيها الرّسول- هو الأبتر المقطوع عن كل خير، من أمثال العاص بن وائل، الذين تحقق فيهم وعيد الله فماتوا كلهم شرّ ميتة، تطاردهم اللّعنة على كل لسان.