نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة النّاس

الجزء ١ · صفحة ٢٩٢

وكانت العرب في جاهليتهم يعتزون بالأولاد الذّكور ويرون فيهم الامتداد لذكرهم والعدّة لحياتهم، وكان لهذا اللّون من الدّعاية الماكرة أن تجد مناخها الملائم في البيئة العربية، ولا شك أن أعداء رسول الله سيسرّون بها، وبالتّالي فإن رسول الله سينقبض صدره الشّريف، كما أخبره الله بذلك: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (الحجر:97).

وها هو الوحي الإلهي ينزل بلسما شافيا ليجلّي الغمّ والحزن عن القلب الشّريف: (إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، وحسبك من الشّرف والقدر أن يكون الذي حباك بتلك العطية السّنية هو الله الخالق الرّزاق ذو القوة المتين. فكلمة: (الْكَوْثَرَ) في دلالتها اللّغوية تعني الخير الكثير، ويوصف بها الرّجل المعطاء صاحب الخير الكثير كما تقدم في مدح ابن مروان. فهذا الامتنان بالعطاء الوفير لرسول الله، واختيار صفة الرّبوبية مضافة إلى ضمير المخاطب إضافة تكريم وتشريف، هذا الامتنان الرّبّاني من شأنه أن يسرّي عن القلب الشّريف، إذ جاء الإخبار الإلهي على عكس ما أطلقه السّفهاء، فهو الذائع الصّيت الخالد الذّكر في العالمين، وهو الواجد لأفضال ربّه ونعمه في العالمين صلاة وتسليما وإشادة بذكره في الأرض وفي الملإ الأعلى، إنه الكوثر الذي لا نهاية له.

ومما ورد من تفسير السّلف لكلمة: (الْكَوْثَرَ) ما جاء في صحيح البخاري عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: "هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإنّ الناس يزعمون أنّه نهر في الجنة، فقال سعيد: النّهر الذي في الجنّة من الخير الذي أعطاه الله إياه".(1)

(1) - رواه البخاري، كتاب التفسير، باب سورة إنا أعطيناك الكوثر، رقم 4966.

٦٬٧٣٩ / ٦٬٧٦٧