45
الجزء ٣ · صفحة ١٠٦﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ ﴾ : إذ بدل من إذ فى قوله : ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك ﴾ بدلاً مطابقاً ، وما بينهما معترض ، وفى هذا الوجه كثرة الفصل ، أو بدل من « إذ » فى قوله ﴿ إذ يختصمون ﴾ بدلاً مطابقاً بأن بعد زمان الاختصام ، وزمان قول الملائكة ، وما بينهما زماناً واحداً وقع الاختصام فى أوله حال صغرها ، ووقع قول الملائكة فى آخره ولو طال ما كال بينهما ، كما تقول : لقيته يوم الجمعة ، وفارقنى فيه ، تريد أنك لقيته ضحاها ، وفارقك عشيتها ، والقائل من الملائكة : جبريل ، أو هو وغيره على حد ما مر .
﴿ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : نعت كلمة ، ومن للابتداء ، لأن عيسى حادث بمجرد تعلق إرادة الله وجوده ، أعنى أنه بلا أب ، وهذا المذكور من الإرادة موجود فى كل مخلوق ، لكن ما ذكر معها من الخلق ، من أم بلا أب مختص بعيسى عليه السلام ، فكان إسناد حدوثه إلى الكلمة أكمل ، فجعل عيسى بهذا الاعتبار ، كأنه نفس الكلمة . كما تقول فى المبالغة : زيد صوم وجود وعلم ، وتسميته بالكلمة تسمية بالمسبب باسم السبب .
﴿ اسْمُهُ ﴾ : أى اسم الكلمة وورد الضمير مذكرا لأن كلمة مراد به إنسان أى أن الله يبشرك بإنسان اسمه عيسى ، وذلك الإنسان الملقب بكلمة هو عيسى عليه السلام .
﴿ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﴾ : كل من المسيح وعيسى لفظ أعجمى معرب ، فالمسيح أصله بالعبرانية مشيخاً - بفتح الميم بعدها شين منقوطة مكسورة وبعد الشين ياء ساكنة مثناة تحتية وبعدها حاء مفتوحة مهملة وبعد الحاء ألف ، عرب باسقاط الألف وإسقاط إعجام الشين وإلى فيه على طريق لمح الأصل ، إذ معناه بالعبرانية : تبارك ، وهو فى الأصل وصف .
و ﴿ عيسى ﴾ معرب يشوع بفتح الهمزة وإسكان الياء وضم الشين المعجمة وإسكان الواو ، عرب بتقديم العين مكسورة وتأخير الياء عنها ساكنة ، وتأخير الهمزة ألفا عن الياء وإسقاط إعجام الشين ، وإسقاط الواو ، ز وأنكر الزمخشرى والقاضى ما ورد فى ذلك من الأقوال الراجعة إلى أن اللفظين عربيان مع أنها أقوال للجمهور ، فقيل : إنه سمى مسيحاً لأنه مسح بالبركة ، فهو فى الأصل فعيل بمعنى مفعول ، والميم أصل والياء زائدة ، وكذا فى قول من قال : لأنه مسح من الأقدار والذنوب ، وقول من قال : لأن جبريل عليه السلام مسحه بجناح حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل ، وقول بدهن حين ولد وهو دهن يمسح به الأنبياء دون غيرهم ، ومن مسح به كان نبياً ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما : لأنه ما مسح ذا عاهة إلا شفاه الله تعالى ، وعلى هذا فهو فعيل بمعنى فاعل ، وقيل : لأنه كان يسيح فى الأرض ولا يقر بمكان ، وعلى هذا فالميم زائدة والياء أصل ، وزعم بعض : لأنه صادق ، ولا يعلم فى اللغة مسح أو ساح بمعنى صدق .