هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

40

الجزء ٣ · صفحة ٩٨

﴿ قَالَ رَبِّ ﴾ : أى رب .

﴿ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ ؟ : استفهام تعجب ، أو استفهام استعظام أو استفهام استبعاد بحسب العادة ، لأن ولادة الشيخ من الشيخة العاقرة خفى السبب مما يتعجب منه ، ويستعظم ويستبعد عادة .

﴿ والله على كل شىء قدير ﴾ ويجوز أن يكون استفهاماً حقيقياً ، سأل الله أن يفهمه سبب الولادة و كيفيها ، مع أنه وزوجته شيخان وهى عاقر ولا خب للكون ، أى كيف؟ أو من أين يحدث لى غلام؟ وإن جعلت له خبراً فهو لى ، ويتعلق ﴿ أنى ﴾ بيكون ، وذكر وجه التعجب أو الاستعظام أو الاستبعاد أو حقيقة الاستفهام بقوله :

﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ ﴾ : أدركتنى كبر السن وأثر فى ، وكان عمره حينئذ تسعاً وتسعين سنة ، وعمر زوجته ثمانية وتسعين . وقال الكلبى : كان عمره اثنين وتسعين سنة ، وقيل : مائة وعشرين سنة .

﴿ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ : لا تلد ، وأصل عاقر فى هذا المعنى ، وصف للنسب ، أى : ذات قطع ، لأنها قطعت عن الولادة ، وتغلبت عليه الاسمية ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول ، أى معقورة ، أى مقطوعة عنهان ولا يشك زكريا فى وعد الله سبحانه وتعالى ، ولكن أراد استعظام قدرة الله تعالى ، وتردّ : هل يكون الولد با ، يرده الله وزوجته شابين ، أو يبقيهما شيخيين ، أو يرزقه الله الولد من غيرهما من النساء؟

قال الحسن : اراد أن يعلم كيف يهب لهُ الولد وهو كبير وامرأتهُ عاقر : كقول إبراهيم : ﴿ رب أرنى كيف تحيى الموتى ﴾ وجملة ﴿ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ : حال من ياء ﴿ بلغنى ﴾ ، وجملة ﴿ َقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَر ﴾ ، وجملة ﴿ امْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ : حالين من باء ﴿ لى ﴾ ، والواو فيهما للحال ، كذا أفهم كلام بعض ، والذى عندى أن الحال الجملى لا يتعدد ، ويغنى عن تعدّده إبقاء الواو على أصلها الذى هو العطف ، فيحصل معنى تعدد الحال بالعطف ، لأن المعطوف على الحال فى معنى الحال ، والاسمية قد تعطف على الفعلية ، ولا سيما أن الفعلية هنا مقرونة ب ﴿ قد ﴾ .

﴿ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ : أى قال الله ومقتضى الظاهر ، قلت كذلك أفعل مكا أشاء ، ولكن ذكر لفظ الجلالة الجامع لصفات الكمال ، ومنها القدرة على توليد عاقر شيخة ، من شيخ فان ، وزعم بعضهم أن « رب » فى قوله : ﴿ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآء ﴾ على مقتضى الظاهر ، أى : قال جبريل : ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ وكأنه قال : يا سيدي ، أو يأمرني بالوحى من الله أنى يكون لى غلام . وعن عكرمة والسدى : لما سمع زكريا قول الملائكة ﴿ إن الله يبشرك بيحيى ﴾ قال له الشيطان إن هذا الصوت من شيطان ، ولو كان من الله لأوحاه إليك إيحاءً ، كما يوحى إليك . فقال زكريا : دفعاً لهذه الوسوسة ﴿ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَم ﴾ ، واعترض بأنه لو يشتبه على نبى كلام الشيطان بكلام الملك ، لزال الوثوق بالوحى ، وأجيب بأنه لا يشتبه فى أمرع الشرع ولا مانع من اشتباهه فى غيره من مصالح الدنيا ، والواضح تنزيه ساحة النبياء من الاشتباه مطلقاً ، كما وعدك بالولد ، وأنت وهى شيخانن وهى عاقر ، ففى قوله ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآء ﴾ دلالة على أنهُ يرزقه الولد منهان لا من امرأة شابة غيرها ، وأنه يبقيهما على شيخوختهما ، لأن هذا أبلغ فى القدرة .

١٬٠٩٨ / ٧٬٦٨٠