37
الجزء ٣ · صفحة ٩٠﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ : أى قبل اله الأنثى المذكورة المسماة مريم ، من أمها حنة ، مكان الذكر ، دعت الله أن يقبلها ، إذ قالت ﴿ فتقبل مِنّى ﴾ فأجاب الله دعاءها فقبلها ، فتقبل لموافقة المجرد ، بمعنى : قبل ورضى ، ويجوز أن يكون المعنى : أخذها منها حين ولدت ، كما تأخذ القابلة الولد حين يولد وذلك بأن قدر لها من أخذها وتفلكها للعبادةن وخدمة البيت وحين ولدت ، ولم يتركها حتى يكبر وتصلح للخدمة ، فيناسب هذا الوجه أن يكون كقولك استقبلها كقولهم تعجل بمعنى استعجله ومعنى استقبل الأمر :
أخذ بأوله . . قال القطامى :
وخير الأمر ما اسْتَقْبَلْتَ منه … وليس بأن تتبعه اتباعا
ومن المثل : خذ الأمر بقوابله ، ولك أن تقول : التقبل للمبالغة .
﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ : القبول مصدر ولم يقل بتقبل حسن ، مع أنه أنسب لتقبلها وأدل على التوكيد بالمبالغة ، لأن لقبول يفيد معنى القبول على وقف طبع البشر ، والتقبل من الصيغ التي تدل على التكلف فى الشىء ، فذكر القبول ألا بصيغة تدل على التكلف فى وصف البشر بشدة الاعتناء ، ليفيد المبالغة ، وذكره ثانيا بلفظ يدل على أنه على وفق الطبع ، والباء زائدة فى المعول اسم لما يقبل عليه الشىء كأنه قال بوجه حسن يقبل له النذر أو يأمر ذى قبول حسن ، وهو إقامتها مقام الذكر أو أخذها من حين ولدت ، بأن لم تترك حتى تصلح للخدمة .
﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ : بأن كانت تنبت فى اليوم ما ينبت غيرها من الأولاد فى العام فى كبر الجسم والعقل ، وكلما يصلح له قال ابن عباس : انبتها نبات السعادة .
﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ : فام بمصالحها من طعام وشراب ولباس ودهن ، وغير ذلك ، لما ولدت حنة امرأة عمران مريم لفتها فى خرقةن وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار وهم فى بيت المقدس ، محبة وخدمة لبيت المقدس فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، أى : خذوها فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ، وقيل : لأنها حررت لخدمة بيت الله والعبادة وكان أبوها قد مات فتنازع فى كفالتها رءوس بنى سرائيل وأحبارهم وملوكهم قال مجاهد : فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندى خالتها ، فقال له الأحبار : لو تركت لأحق الناس بها ، لتركت لأمها التي ولدتها ، ولكن نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه بها ، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلاً ، إلى نهر الأردن فألقوا فى الماء أقلامهمن على أن من رسب قلمه فى المار فليست له ، ومن صعد على الماء قلمه ، فهو أولى بها ، فكان اسم كل واحد مكتوب على قلمه ، والقلم هو ما يتساهم به فى مثل هذا المحل ، وقيل : أقلامهم التى يكتبون بها التوراة ، كما قال الشيخ هود : أقلامهم التي يكتبون بها الوحى قيل : كانوا يكتبون التوراة ، فألقوا اقلامهم فى الماء ، كانت بأيديهم يكتبون بها ، فارتفع قلم زكريا على الماء ، وكان زكريا رأس الأحبار ونبتهم ، وإنما كان إشاع أخت مريم وخالتها أيضاً ، لأن عمران تزوج أم حنة ، فولد إشاع ، وكانت حنة بنتاً لغير عمران ، ثم تزوج عمران حنة ، وهى ربيبته على أن ذلك جائز فى شريعتهم ، فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب ، وخالتها أيضاً كذا قيل .