46
الجزء ٣ · صفحة ١٠٨﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ : فى المهد متعلق بمحذزف حالا من ضمير يكلمن و ﴿ كهلا ﴾ : معطزفاً على هذه الحال ، أى ثابتاً فى المهد وكهلا ، أى يكلم الناس وقت كونه طفلا فى المهد ، ووقت كونه كهلا ، بكلام الأنبياء ، والمراد أن كلامه فى حال الطفولية والكهولة على حد سواء ، بكلام النبوة ، وجملة ﴿ يكلم ﴾ قيل معطوفة على ﴿ وجيها ﴾ و ﴿ المهد ﴾ : ما يفرش للصبىن ويطوى فيه ، وأصله مصدر رسمى به ، والكهل : من اجتمعت قوته وتم شبابه ، وأول سن الكهولة ثلاثون سنة ، وقيلك اثنان وثلاثونن وقيل : خمس وثلاثون ، وقيل : ثلاث وثلاثون ، وقيل أربعوم وآخرها خمسونن وقيل اثنان وخمسونن وقيل : ستون ويدخل فى سن الشيخوخة .
وكلام عيسى فى المهد فى تبرئة أمه ﴿ إنى عَبْد الله آتَانى الكِتَابَ ﴾ إلى قوله ﴿ ويَوم أُبْعَثٌ حيّاً ﴾ وعن مجاهد : قالت مريم كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثنى وحدثته ، فاذا شغلنى عنه شأن يشبح فى بطنى وأنا أسمع . وعن ابن قتيبة : لما بلغ عيسى بن مريم ثلاثين سنة ، أرسله الله إلى بنى إسرائيل فمكث فى رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه الله تعالى . وقال ابن منبه : جاءه الوحى على راس ثلاثين سنة ، فمكث فى نبوته ثلاث سنين واشهراً ثم رفعه الله .
ومن قال : أول سن الكهولة أربعون سنة ، فلا بد أن يقول : رفع شاباً ، ويكلم الناس كهلا على هذا إذا نزل آخر الزمان ، ويقتل الدجال . . قال الحسن بن الفضل : يكلم الناس كهلا بعد نزوله من السماء ، قيل لبعضهم : هل تجد نزول عيسى فى القرآن؟ قال : نعم قوله تعالى ﴿ وكهلاً ﴾ بعد نزوله من السماء ، والولى أنه يكلم كهلا قبل أن يرفعه الله ، وفى ذلك بشارة لمريم عليه السلام ، بأنه يعيش حتى يكتهل ، وخص الكهولة؛ لأنه يكلم فى المهد ببراءتها ، وفى الكهولة بالوحى ، قيل : تكلم فى المهد بالوعظ والذكر ، ولم يمسك عنه ، وقيل : خص الكهولة لأنها وقت استحكام العقل والرأى ولذلك يقال للحكيمك كهل . كما قال مجاهد وبه فسره ، وفى ذكر اختلاف أحواله من الصبى إلى الكهل رد على فد نجران وغيرهم ، فى قولهم إنه إله ، لأن التغير محال فى حق الإله .
﴿ وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ : متعلق بمحذوف حال معطوفة على حال الضمير فى ﴿ يكلم ﴾ أو حال ﴿ كلمة ﴾ ، أى وثابتاً من الصالحين ، أى من عباد الله الصالحين كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، وختم صفاته بالصلاح ، لأنه أشرف المراتب ، إذ لا يسمى صالحاً حتى يواظب على الطاعات قولا وفعلا ، فى طريق الأكمل .