هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

36

الجزء ٣ · صفحة ٨٧

﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ : أى وضعت بنتها مريم ، أنت الضمير مع عوده إلى ما ، من قوله ﴿ ما فى بطنى ﴾ لأنه فى نفس الأمر أنثى ، فهو من اعتبارمعنى ﴿ ما ﴾ ، ولو تعلم امرأة عمران به أنه أنثى ، لأن قوله ﴿ وَضَعَتْهَا ﴾ من كلام الله تعالى ، وهو قد علمه أنثى .

﴿ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ : حال من ضمير النصب المذكور في ﴿ وَضَعَتْهَا ﴾ ، وإنما جاز ذلك مع أنه بمنزلة : وضعت امرأة عمران الأنثى أنثى ، لأن كل ضمير وقع بين اسمين مذكر ومؤنث وهما عبارتان عن مدلول واحد يجوز فيه التذكير والتأنيث ، فضمير النصب فى وضعتها واقع بين ما ، وهو مذكر اللفظ وفرض الكلام أن يؤتى له بحال مؤنث ، وهو لفظ أنثىن فاعتبر هذا الحال المؤنث ، فقيل : وضعتها ، ولو اعتبر لفط ﴿ ما ﴾ ، لقيل : رب إنى وضعته أنثى ، لكن هذا يضعفه مراعاة المعنى فى قوله ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ ، ثم إنه تجىء الحال مؤكدة لصاحبها ، كما تجىء مؤكدة لعاملها ، ولك أ تقول : أنت الضمير المنصوب فى وضعتها فى الموضعين لتأويل ما فى بطنها بالمؤنث الذى يستعمل فى الذكر ، والنثى كالنفس والنسمة والحبلى فلا إشكال حينئذ فى قوله ﴿ أُنْثَى ﴾ ، لن النفس وحوهن يقع على الذكر والأنثى فبين النوثة بقوله ﴿ أُنْثَى ﴾ .

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ : أنه أنثى ، لأنه لا يخفى عليه شىء ، ولكن قالت ﴿ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ تحسراً عما فاتها من كونه ذكراً ، يصلح لخدمة بيت المقدس ، كما نذرت بخدمته ، فقولها ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ مجاز مركب غير استعارة ، غذ حقيقته أن يخبر به من يجهل ما وضعت ، أو تخبر به من يجهل أنها عالمة بما وضعتن وقال الله تعالى ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ تعظيماً لما ولدت ، أى : وضعت ولداً عظيماً هى جاهلة العظمة .

وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب : ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ بإسام العين وضم التاء إلى أه من كلامهان تسلية ، تكلمت به تسلية لنفسها أى : ولعل الله قد علم الخيرة فى الأنثى التي ولدتها . وقرىء بإساكن العين كسر التاءن خطاباً من الله تعالى لها ، وهو قراءة ابن عباس رضى الله عنهما .

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثَى ﴾ : إما من كلامه تعالى ، وإما من كلامها من جملة تحسرها ، اى : وليس الذكر الذى طلبت ، كالأنثى التي وهبت لى وفى الكلام قلب ، أى : ليس الأنثى كالذكر ، لأنها تحيض ، ولاتباشر الرجال ، وهى ضعيفة ولا تصلح لخدمة بيت المقدس ، ويجوز أن يكون المعنى : ليس الذكر الذى طلبت لنذرى كالأنثى ، و « أل » فيهما للحقيقة ويجوز أن يكون للعهد ، أى : ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لى بل هى أفضل منهن لأنه من خدمة المسجد ، وهذه الأنثى موهوبة لله تعالى وهذا على انه من كلام الله ظاهر ، وكذا على أنه من كلامها .

١٬٠٨٧ / ٧٬٦٨٠