هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

99

الجزء ٣ · صفحة ١٨٩

﴿ قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾ كرر النداء ، والاستفهام ، مبالغة فى التعنيف ، وقطع العذر ، وإشعاراً بأن الكفر بآيات الله وحده ، أو الصد عن سبيل الله ، لمن آمن وحده ، مستقبح فى نفسه ، جالب للعذاب وحده ، وسبيل الله دينه الحق المأمور بالكون فيه ، وهو الإسلام . ومعنى الصد عن سبيل الله أنهم كانوا لا يأولن جهداً فى صرف المؤمنين عن الإيمان ، جملة وأفراداً . ومن ذلك ما رواه زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله : أن شاس بن قيس اليهودى وكان عظيم الكفر والكعن فى الدين والحسد مر على نفر منالنصار فى مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألف الأوس والخزرج بعد ما بينهم من العداوة ، وقال : ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار ، فأمر شابا من اليهود أن يجلس غليهم ، ويذكرهم يوم بعاث ، وهو يوم من أيامهم وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار ، وكن فيه الدائرة على الخزرج ، ففعل الشاب فتنازع الأوس والخزرج ، وتفاخروا وتواثبوا على الركب ، أوس بن قطى أحد بنى حارثة من الأوس ، وحيار بن صخر ، أحد بنى سلمة من الخزرج ، وتقاولا وقالا إن شئتم رددنا الآن خدعة ، وغضب الفريقان حتى قالوا : السلاح السلاح موعدكم الحرة ، فانضموا إليها كل فى جهة ، فبلغ النبى A ذلك فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار الذين لم يدخلوا فى التفاخر المذكور ، فقال : « أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، وألف بينكم »؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطانن وكيد من عدوهم ، فبكوا وألقوا السلاح وتعانقوا ، ثم انصرفوا مع رسول الله A . قال جابر :

فما كان يوم أقبح أولا … واحسن آخراً من ذلك اليوم

﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ : أى تبغون للسبيل عوجاًن فمصير النصب للسبيل لأن السبيل يذكر ويؤنث ، وهو فى محل نصب على حذف اللام ، وعوجاً مفعول لتبغون ، والجملة حال من واو تصدون ، أو من السبيل ، أو مستأنفة والعوج الانحراف وذلك أنهم منعوا النسخ وغيروا صفة رسول الله A ، وفعلوا ما أشبه ذلك من الكفران ، فيوهمون الناس ، أن ذلك حق مع أنه باطل ، وعوج ، فيكونون قد نسبوا لسبيل الله ما هو نفسه عوج ، أو ذلك أنهم ذكروا للأوس والخزرج ما يثير الفتنة بينهم .

﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ ﴾ : أن دين الحق هو سبيل الله ، الذى عليه محمد A وأصحابه ، أن الصد عنه ضلال وإضلال ، وأن محمداً A ، رسول الله بنعته وصفته ، وفى التوراة ذلك كله ، أو معنى شهادتهم بذلك قراءتهم إياه فى التوراة ، فهم يتلونه بألسنتهم كما ينطق الشاهد بما شهد به ، أو يقرون به ، فيما بينهم أو معناها علمهم فإن العلم سبب الشهادةن أو معن شهادتهم حضورهم لمعجزات سيدنا محمد A ، أو أنتم فى أهل ملتكم أهل ، لأن تكونوا شهداء لعدالتكم عندهم ، وثقتهم بكم ، يستشهدونكم فى القضايا ، وكلما أرادوا التوثق فيه وأنتم شهداء على أنفسكم أنكم تبغونها عوجا ، والجملة حال من واو تبغونها ،

﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ : من الكفر والصد وابتغاء العوج وغير ذلك فهو يجازيكم عليه ، فهذا وعيد لهم .

١٬١٨٩ / ٧٬٦٨٠