119
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٩﴿ هَا أَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ : ها حرف تنبيه دخلت على المبتدأ كما تدخل على اسم الإشارة ، لأنه ضمير خبره اسم إشارة ، فهذا دليل على أن الخبر أولا ، وإلا لم تدخل ﴿ ها ﴾ التنبيه على المبتدأ الذى هو ضمير قبله ، وقيل : ﴿ ها ﴾ التنبيه مقدمة من اسم الإشارة ، بعد ويعترض بقوله تعالى فى الآية الأخرى ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ ، و ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ خبر ثان ، والإشارة للمؤمنين المخاطبين ، ويجوز أن يكون ﴿ أولاء ﴾ مبتدأ ثانياً و ﴿ تحبونهم ﴾ خبره ، ولجملة خبر الأول ، والإشارة فى هذا الوجه للمشركين أو المنافقين ، ويجوز ان يكون أولاء اسما موصولا بمعنى الذين ، وتحبونهم صلته فأولاء على هذا للمؤمنين الخاطبين ، وكذا إن جعلنا أولاء منادى بحرف محذوف على القول بجواز حذفه ، مع اسم الإشارة ، وتحبونهم خبر أنتم ، ويشكل على الوجهين دخول ﴿ ها ﴾ التنبيه على الضمير ، بخلاف الوجه الذى قبلهما ، فإن اسم الإشارة ولو لم يكن خبراًن وجعلناه اسم إشارة جاز أن يكون يحبونهم حالا ، من أولاء كما هو أيضاً خبر ثان ، والمعنى أنتم أولاء الخاطئون فى اتخاذ البطانة من المشركين أو المنافقين ، إذ تحبونهم ولا يحبونكم ، وجملة ﴿ لاَ يُحِبُّونَكُم ﴾ معطوفة على ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ أو حال من ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ .
﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾ : جنس كتب الله ، أو بالتوراة كلها لا تؤمنوا ببعضها وتكفروا ببعضها ، وهذه الجملة كعطوفة على تحبونهم ، أو حال من واو ﴿ لاَ يُحِبُّونَكُم ﴾ على القول لجواز مجىء جملة الحال مضارعيه مثبتة غير مقرونه بقد ، أو خبر لمحذوف ، أى وأنتم تؤمنون بالكتاب كله ، والجملة حال ، ومعنى ذلك كله أنكم تحبون اليهود أوالمنافقين لسبب قرابة ، أو رضاع ، أو حلف ، أو نحو ذلك ، ولا يحبونكم للمخالفة فى الدين ، وقيل : يحبونهم بإرادة الإسلام لهم ، وهو خير الأشياء ، وفيه الفوز الدائم ، ولا يحبونكم حين أرادوا لكم الكفر ، وهو شر الأشياء وفيه الهلاك الدائم ، وقيلك تحبونهم بافشاء أسراركم إليهم ، ولا يحبونكم حين كتموا عنكم . وقيل : تحبون المنافقين لما ظهر لكم من الإيمان منهم ، ولا يحبونكم لأنهم مشركون فى الباطن ، وهذا على قول قومنا : إن المنافقين فى زمان النبى مشركون فى الباطن ، وهذا على قول قومنا : إن المنافقي نفى زمان النبى مشركون فى الباطن ، ولا بأس به ، ولو شدد اصحابنا فى القول به . . والأظهر أن المنافق يطلق على من أسر الشرك تارة ، وعلى من فعل كبيرة دون الشرك ، كقول عمر : غلبنى المنافقون خيانة ، ولولا نفاقهم ما وليت غيرهم . وجملة ﴿ تؤمنون بالكتاب كله ﴾ تدل على أن المراد اليهود بكتابهم ، ولا بشىء منه ، وعلى كل حا فالمعنى أن الكفار فى باطلهم أصلب منكم فى حق الله D ، ويدل على أن المراد المنافقون قوله تعالى :
﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ : اللهم إلا أن يقالك اليهود ايضاً قد يظهرون الإسلام كما صرح بعض العلماء بأن المراد فى قوله تعالى ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ اليهود ، ومعنى ذلك أن المنافقين أو اليهود ، أو جميعهم يقولون إذا حضر المؤمنون ﴿ آمنا ﴾ مطكراً وخداعاً وخوفاً ، وإذا لم يحضر المؤمنون أظهروا أشد العداوةن ونهاية التحسر والغيظ على ائتلاف المؤمنينن وصلح ذات بينهم ، واجتماع كلمتهم ، وعض الأنامل : كناية عن شدة إظهار الشر عليكم ، لأجل شدة غيظهم ، فشدة غيظهم هى شدة سخطهم ، وعدم رضاهم بصلاح ذات البين المؤمنين ، فبحصول هذه الشدة ، أحبوا وأظهروا فيما بينهم أن لو اصابوا المؤمنين لقتلوهم بمرة ، فهذا الشر المكنى عنه بعض الأنامل ، ولو جعلنا عض الأنامل كنناية عن شدة الغيظ هنا ، لكان المعنى اشتد غيظهم لأجل الغيظ ، وهو معنى لا يصح إلا بتلكف ، وإنما تحصلوا على الغيظ وإضمار السوء ، إذ لم يستطيعوا التشفى .