هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

117

الجزء ٣ · صفحة ٢٢٧

﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِى هذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ : أى ما ينفق الكفار لعداوة رسول الله ، A والمسلمين ، ولوبعده A كأبى سفيان واليهود وغيرهم ، وقيل : نفقة جميع الكفار وصدقاتهم وهو أولى . وقيل : المراد نفقة أبى سفيان بدر وأحد ، واصحابه . وقيل : نفقة اليهود على علمائهم ، ورؤيائهم ، وقيل : نفقة المرائى الخائف ، وهذا القول ضعيف ، لأنه لم يتقدم ذكر المرائين ، وإنما المراد هنا من أريد فى قوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ لأن الظاهر أن الضمير عائد إلى الذين كفروا فالتعميم فيهما أولى .

﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ : برد شديد تحرق كلما هبت عليه ، والصرك البرد التنكير للتعظيم ، ولذلك قلت : برد شديد ، وهو مصدر وشاع استعماله بمعنى الريح الباردة ، ولا يصح فى الآية إذ لا وجه لقولك كمثل ريح فيها ريح باردة ، اللهم إلا على التجريد البديعى ، وهو مبالغة ، بل وجه استعماله الشائع فى الريح الباردة ، أن أصله مطلق البرد ، فوصف به الريح مبالغة حتى أنه يطلق الصر ، ويعلم أنه الريح الباردة ، كأنه قيل ريح صر ، كقولك فى المبالغة فى عدل زيدك زيد عدل ، ويجوز كونه وصفاً نعت به المصدر مبالغة ، من لفظه كنهار أنهر ، وليلة ليلاء ، وشعر شاعر أى برد بارد .

﴿ أصَابَتْ حَرْثَ قوْمٍ ﴾ : أى زرع قومن وهو نباتهم الذى حرثوا له البذر فنبت منه .

﴿ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم ﴾ : بالشرك أو ما دونه من المعاصى .

﴿ فأهْلَكَتهُ ﴾ : عقوبن لهم ، ووصف قوماً بأنهم ظلموا ليكون إهلاك حرثهم لأن الإهلاك عن سخط أشد ، فيكون قد شبه ما أنفق هؤلاء بحرث أهلك إهلاكاً شديداً ، ووجه الشبه عدم الانتفاع ، كما لا نفع فى ذلك الحرث لا نفع لهم فى إنفاقهم ، لأنه فى معصية أو هو رياء ، فلا ثواب ، ولو كان نفع فى الدنيا ، فى بعض الأحيان ، وذلك من التشبيه المركب ، إذ شبه ما أنفقوه وضياعه ، بلا نفعن وكفرهم الذى هو سبب لضياعه ، والريح التى هى سبب الضياع ، لجامع مطلق عدم الحصول على منفعة ، ولذلك صح أن يلي كمثل لفظ ريح وإلا تلا الحرث ، ويجوز أن يكون تشبيهاً إفراديلً فيقدر مضاف ، أى كمثل مهلك ريح - بفتح اللام من مهلك - وهو الحرث ولما حذف المضاف صح ذكر لفظه فى قوله ﴿ حرث قوم ﴾

﴿ وَمَا ظَلَمَهُم ﴾ : أى ما ظلم المنفقين بعدم إثباتها على ما أنفقوا ، ودلت الآية أن الذنوب سبب الثبات والثمار ، وكذا هى سبب للأمراض قيل : إن مصائب الدنيا كلها للذنوب .

﴿ لله ولكَنْ أنْفُسَهُم يَظُلِمُونَ ﴾ : بانفاقهم فى المعصية أو بريائهم أو كفرهم ، أو ما ظلم القوم الحارثين بإهلاك حرثهم ، ولكن ظلموا أنفسهم فى التسبب فى ضياع حرثهم ، لما ذكر عنهم من الظلم فى قوله ﴿ حَرْثَ قوْم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم ﴾ وهو الشرك ، وما دونه ، وقدم ﴿ أنفسهم ﴾ على ناصبه للحصر والفاصلة ، وقرئ بتشديد ﴿ لكن ﴾ فيكون اسمه أنفسهم لضمير الشأن ، إذ لا يحذف ضمير الشأن اسما ، لكن إلا فى الضرورة كقول أبى الطيب :

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه … ولكن من يبصر جفونك يعشق

فإن « من » شرطية لجزم « يبصر » و « يعشق » حتى كسرت القاف ، و « من » الشرطية لها الصدر لا تعمل فيها « لكن » فقدر لها ضمير الشأن .

١٬٢٢٧ / ٧٬٦٨٠