115
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٥﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَلَنْ يُكْفَروه ﴾ : الخطاب لهذه الأمة الشاملة لمن آمن من أهل الكتاب برسول الله A ، اى ما تفعلوا من الأعمال الصالحات ، فلن تحرموا ثوابه كله ، ولا بعضه ، فلتضم الكفر أن معنى الحرمان تعدى لاثنين : أحدهما الواو النائب عن الفاعل ، والآخر الهاء وقرأ عاصم فى رواة حفص ، وحمزة ، والكسائى : يفعلوا ويكفروه بالمثاة التحتية فيهما ، على أن الواوين للأمة القائمة . وروى أن أبا عمرو وقرأ بالقراءتين روى أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه : إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان ، فنزلت الآية كأنه قال : بلى فازوا بالدرجات العلا بسبب إنقيادهم لحكم ربهم ، والمقصود مدحهم بما فعلوا ، ليزول عن قلوبهم أثر كلام هؤلاء الجهال ، وسمى منه الثواب كله أو بعضه كفراً ، نظراً إلى أنه سمى إيصال الثواب شكراً فى قوله تعالى ﴿ فإن الله شاكر عليم ﴾ ونحوه أو لأن الكفر لغة الستر ، فسمى منع الجزاء ، أو بعضه كفراً ، لأن منعه بمنزلة الستر والله تعالى لا يوصف بالكفر ، إنه لا نعمة لأحد عليه ، فضلا عن أم يكفرها فكام المعنى لا يمنعهم الثواب أو بعضه مع أن نفى وقوع الشىء لا يستلزم إمكانه ، كقوله تعالى ﴿ لم يتخذ ولداً ﴾ وقوله : ﴿ لم يلد ﴾ فإن إمكان ذلك ووقوعه ، كلاهما مستحيل ولاستحالته ، نره اللفظ عن إساماد الكفر إليه ، بأن بُنِى للمفعول ، إذ لم يقل فلن أكفره ، أو فلن يكفره الله ، وليكون الكلام على طريق العظمة فى كلام العظماء الأمراء للرعية : يُصنع لكم كذا ولن تمنعوا من كذا ، بالبناء للمفعول بدل أصنع لكم ولن أمنعكم .
﴿ واللهُ عَليمٌ بالمُتّقِين ﴾ : بشارة للمتقيل من هذه الأمة ومن آمن من أهل الكتاب ، بجزيل الثواب ، ودلالة على أنه إنما الفوز بالتقوى فقط وأنها مبدأ الخير وحسن العمل ، فعلمه تعالى كناية عن إثابتهم على تقواهم ولما وصف المؤمنين بالصفات الحسنة أتبعها وعيد الكفار ليجمع بين الوعد والوعيد ، فقال :