102
الجزء ٣ · صفحة ١٩٢﴿ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : قال ابن مسعو وابن عبا ﴿ حَقَّ تُقَاتِه ﴾ هو أن يطاع لا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر . ورواه بعض مرفوعاً إلى رسول الله A والمراد قدر الاستطاعة ، فهو مفسر بقوله تعالى ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ وقوله ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ وذلك فى كميات الطاعات ، وكيفيتها ، وحالها . وقيل : الآية فى تنزيه الطاعة عن الالتفات إليها وتوقع المجازاة عليها ، وقال مجاهد : حق تقاته أن لا تأخذه فى الله لومة لائم ، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه ، وقيل : لا يتقى الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه ، ونسب هذا القول إلى ابن عباس ، والنسيان والغلط خارجان عن الاستطاعة ، وقد يعنف عليهم إذ كان سببهما اشتغال القلب بالفرض ، وترك المعصية جداً ، وقال ابن عباس فى رواية أخرى عنه ، وسعيد بن جبير ، وقتادة وابن زيدن والسدى : الآية على عموم لفظها ، من لزوم غاية التقوى ، حتى لا يقع الإخلال فى شىء من الأشياء ، ثم نسخ بقوله تعالى ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ وقوله ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ والصحيح القول بأن الآيتين تفسير لها ، وأنهما المراد فيها لا ناسختان لها ، وهذا مذهبنا ، ويدل له ما رواه معاذ من أنه قال له رسول الله A : « هل تدرى ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ » قال : اله ورسوله أعلم . قال : « حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، وحق العباد على الله أن يدخلهم الجنة إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئاً » وأما ما روى من أنه لما نزل قوله تعالى ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ شق ذلك على المسلمين فقالوا : يا رسول الله من يقوى على ذلك؟ ثم نزلت تخفيفاً بقوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ماستطعتم ﴾ و ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ فمعناه أنهم ظنوا أن الآية على ظاهرها من أنها أمر بما لا يستطاع من حق الله ، فنزل ما بين لهم فيه أن المراد بحق التقاة هو ما استطاعوه ، وأصل التقاة : وقيه قلبت الواو تاء ، أو الياء ألفاً لتحركها بعد فتح ، وهو مصدر ، وفى صار اسم مصدر لاتقى ، وكان بين الأوس والخزرج عداوة فى الجاهلية وقتال ولما هاجر رسول الله A إلى المدينة ، أصلح بينهم فافتخر منهم بعد ذلك رجلان : ثعلبة بن غنم من الأوس ، وسعد بن زرارة من الخزرج ، فقال ثعلبة : منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ومنا حنظلة غسيل الملائكة ، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى الدبر - أى حماه الذباب اللاسع عن أن يمسه مشرك بعدما قتله المشركون - وكان قد عاهد ألا يمس مشركاً ، ومنا سعد بن معاذ الذى اهتز عرش الرحمن لموته ، ورضى الله بحكمه فى بنى قريظة بقتل مقاتلهم ، وسبى غيرهم .