هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

111

الجزء ٣ · صفحة ٢١٩

﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ اأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ : وأزاد « إن » على سبيل الاستطراد ، وهو أن تكون من من الكلام ثم تدخل فى آخر يناسبه ، نحو : زيد عالم شجاع لا يمسك ما يذله منمال ، ولا يكثر النوم . فإن الكلام قيل فى أن إيمان أهل الكتاب خير لهم ، وهذا يناسبه بيان أن قليلاً منهم آمن وأضر الكثير ، وأنهم لا طاقه لهم على الأذى العظيم ، وهو مغلبون فى القتال إن قاتلوا ، ولم يعطف ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ﴾ على ما قبله لتباعد ما بينهما من حيث أن كلا منهما نوع من الكلام على حده ، ومعنى ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ﴾ : لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً ، باعتبار أنه ليس فيه قتلكم ولا أسركم ولا إخراجكم ولا أحذ أموالكم ، والتنكير للتحقير الاعتبارىن وذلك الأذى : الطعن فى الدين ، وتخويف ضعفة المسلمين ومن ذلك الطعن قولهم : عزيز ابن اللهن والمسيح ابن الله ، وإخفاء صفات رسول الله ، A ، فى التوارة والإنجيل ، وقد علمت أن ﴿ أذى ﴾ مفعول مطلق بمعنى الضر ، فرع إليه لجواز التفريع إليه عند بعض النجاة مطلقاً وعند بعض : إن كان غير مؤكد ، وهو هنا غير مؤكد ، لأن المعنى أذى يسيراً ، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً ، أى : لن يغلبوكم على مالكم وأنفسم وأهلكم ، لكن يضروكم بكلمة أذى . كما روى أن رؤساء اليهود عملوا إلى من آمن منهم برسول الله A ، كعبد الله بن سلام ، فآذوهم لإسلامهم ، فأنزل الله D ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ﴾ كطعن وتهديد ، وإلقاء شبه ، وشك فى القلوب ، وذلك يغتم به المؤمن ، ولكن الظاهر المناسب أن الخطاب للمؤمنين كلهم يومئذ ، ولو كان سبب النزول خاصا ، وفى الآية تثبيت للمؤمنين على الإيمان . ومعنى توليه الأدبار : جعلهم إياكم تالين أدبارهم ، بأن يهربوا منهزمين ، فلا يليكم منهم إلا أدبارهم . وأدبارهم مقاعدهم تخسيساً لهم ، والأدبار : مفعول ثانن ومعنى ﴿ ثم لاَ يُنصَرُون ﴾ : أنهم بعد انهزامهم لو أطالوا الاجتهاد والحث لا ينصر أحد بتغليبهم عليكم ، ولا بدفع باسكم عنهم ، فانزامهم مستمر لا يراجعه نصر ، و ﴿ ثم ﴾ للترتيب والتراخى الزمانى ، وليس ﴿ لاَ يُنصَرُون ﴾ معطوفاً على ﴿ يولوكم ﴾ وإلا حذفت نونه فقيل : ثم لا تنصروا ، كما قرأ بحذفها من عطفه عليه ، بل هو معطوف على مجموع الشرط والجواب والأداة ، فلم يستحق الجزم ، و ﴿ ثم ﴾ فى قراءة حذف نونه للتراخى فى المرتبة لأن الأخبار بتسليط الخذلان عليهم ، أعظم من الإخبار بتوليه الأدبار ، ويجوز ان تكون قراءة حذف النون للتراخى الزمانى وفى قراءة ثبوتها للتراخى الرتبى ، وفى قراءة الرفع الأخبار بأنهم لا ينصرون ، وقع قتال أو لم يقع ، إذ قد يكون الناس فى ذل وهوان بدون قتال ، وقد وقع عدم النصر مستمراً فى قريظة والنضير وقينقاع ، وأهل خيبر عدماً مستمراً ، والحمد لله ، فقراءة الرفع أرحج منقراءة الجزم ، إذ قراءة الجزم مقيدة لعدم النصر بوقوع القتال ، أو فى الإخبار بذلك ، ووقوعه معجزة لرسول الله A وقوله ﴿ لَن يَضُرُّوكُم ﴾ إلى ﴿ لاَ يُنصَرُون ﴾ عائد على أهل الكتاب الذين هم يهود ، وما قبله عائد إلى أهل الكتاب : اليهود والنصارى ، وقيل : المراد بأهل الكتاب اليهود .

١٬٢١٩ / ٧٬٦٨٠