112
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٠﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ : أوقع الله عليهم الذلة ، وألزمها إياهم حتى صارت كشىء يضرب على شىء ، فيحيك به ، أو يلتزق به ، والذلة ضعف قلوبهم عن أن يقاوموا غيرهم فى قتال ، أو شدة . وعن أن يردوا عن أنفسهم ما أصيبوا بهن وهذا لعمومه أولى من تخصيص الذلة لشىء مثل ما قيل أن الذلة قتلتهم ، وغنيمة أموالهم أصولا وعروضاً وسبيهم ، وما قيل أن الذلة ضرب الذلة عليهم لأنها ذلة وصغار ، وما قيل : أن الذلة أنه لا يرى فى اليهود ملك قاهر ، ولا رئيس معتبر ، بل يستضعفون فى جميع البلاد وما قيل : إن الذلة كونهم أذلاء فيما بين المسلمين ، بسبب كفرهم وتمسكهم بالدين المنسوخ ، والطريق المخترعة الباطلة ، ولما ذلوا بين المؤمنين ذلوا يضاً تبعاً بين غير المؤمنين ، وكان فيهم ذل عظيم قبل الإسلام ، فزادوا من بعده ذلا عظيما مستأصلا لشأنهم .
﴿ إيْنَمَا ثُقِفُوا ﴾ : أى وجودا ، وجواب الشرك محذوف ، تقديره : أى مكان وجدوا من دار الإسلام غلبوا وذلوا ، لا اعتصام لهم ، ولا عز دلَّ عليه ضربت عليهم الذة ، أو يقدر بلفظه أى : أينما ثقفوا ضربت عليهم الذلة ، وقيل : هو جواب مقدم .
﴿ إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وحَبْلٍ مَّنَ النّاسِ ﴾ : استثناء من أعم الأحوال ، أى ضربت عليهم الذلة ، فى كل حال ، إلا معتصمين بعهد من الله والناس المؤمنين بالأمان على أداء الجزية ، ويجوز أن يكون حبل الله : ذمته أو كتابة الذى أتاهم ، أو دين الإسلام ، وأن يكون حبل الناس : ذمتهم ، واتباع دينهمن وقال الفخر : قال بعضهم حبل الله هو الإسلام ، وحبل الناس العهد والذمة . قال الفخر : هذا بعيد ، إذ لو أريد ذلك لقيل : أو حبل من الناس أو قال . وقال آخرون : المراد بكلا الحبلين الأمان ، لأنه من الله بإذنه ووحيه ، ومن المؤمنين بإنقاذه لهم ، قال : وهو أيضاً ضعيف . قال : والذى عندى أن الأمان الحاصل للذمى قسمان : أحدهما الذى نص عليه ، وهو الأمان الحاصل بإعطائه الجزية عن يد ، وقبوله إياها . والثانى : الأمان الذى فرض إلى رأى الإمام واجتهاده ، فيعظم الأمان مجاناً تارة ، ويبذل زائد أو ناقص تارة أخرى على حسب اجتهاده ، واستعبر الحبل لنحو العهد والكتاب ، لأن كلا منهما سبب للنجاة والفوز بالأمن .
﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ ﴾ : رجعوا عن الله لإعراضهم عن دينه بغضب منهن D ، من باء بمعنى رجع ، أو مكثوا فى غضب من الله من قولك : تبوأ كذا ، أى اتخذه محلا ينزل فيه . والباء على الأول للمصاحبة وعلى الثانى للظرفية .
﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾ : ضرب عليهم ، وسموا الفقر ضرباً شبيهاً بغحاطة البيت المضروب على أهله ، فإنهم فى غالب الأمر إما فقراء وإما غير فقراء ، لكن يظهرون الفقر ويتصورون بصورة الفقراء ، وقيل : ﴿ المسكنة ﴾ : الجزية ، وبه قال الحسن .