165
الجزء ٤ · صفحة ١٩٠﴿ رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ ﴾ : لأهل الايمان والطاعة بالجنة .
﴿ وَمُنذِرِينَ ﴾ : لأهل الشرك والمعاصى بالنار ، ونصب رسلا على المدح ، أى أعنى رسلا أو أمدح رسلا ، أو ذكرت رسلا ، أو يقدر أرسلنا رسلا ، أو نعت لرسلا الذى قبله ثان ، على أن لم نقصصهم نعت لرسلا ، أو حال من هاء لم نقصصهم ، وهو حال موطىء لمبشرين ومنذرين المرادين بالذات ، كقولك : جاء زيد رجلا صالحا ، فان زيدا معلوم أنه رجل ، وانما ذكر تمهيدا لذكر صلاحه ، أو حال كذلك من ابراهيم وسليمان وما بينهما فقط ، لا مع غيرهم لاتحاد العامل ، وهو أوحينا الثانى .
وفى ذكر التبشير والانذار ترغيب فى الايمان ، وترهيب عن الكفر ، واشارة الى أنه قد أرسل رسلا تبشر وتنذر ، وليسوا كلهم تنزل عليهم كتب بمرة ، بل شيئا فشيئا بحسب حاجاتهم وحاجات أقوامهم ، لئلا يفروا من انزال الأحكام والأمور المخالفة لهم بمرة ، ولتجدد حدة قلوبهم اذا كلت لا كما تقترحون ، يا معشر اليهود من نزول الكتاب بمرة ، وانزال التوراة على موسى جملة ، ولا يقدح فى نبوة من لم ينزل عليه البتة ، ولا يقدح فى نبوة من نزل عليه شيئا فشيئا ، اذ خصه الله بالتكليم ، ولكن قد صح أيضا أن الله كلم سيدنا محمدا A ، وأنه لا فضيلة لرسول أو نبى الا وله A مثلها .
﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ : بعد ارسال الرسل بالوحى ، فحجة الله على عباده فى وجود الله ووحدانيته اجمالا ، العقل بالنظر فى بدن صاحبه وأحواله ، وفى سائر الخلق وأحوالهم ، وأما فى تفصيل ذلك وسائر الشرائع ، فللرسل ، وقد يقال : العقل وحده حجة فى أن للموجودات خالقا موجودا أوجدها لا أول له ولا آخر ، ويعرف أنه الله بهذا الاسم بمنبه كملك ورسول ، هذا تحقيق المقام ، ووما دل على أن حجة الله الرسل قوله تعالى : ﴿ فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا ﴾ أيى يعلمنا دينك ﴿ فنتبع آياتك ﴾ وقوله تعالى : ﴿ لقالوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا ﴾ وقوله تعالى : ﴿ أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ﴾ وغير ذلك مثل قوله تعالى : ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ قال سعد بن عبادة : لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته بالسيف غير مصفح ، فبلغ ذلك رسول الله A فقال : « أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير منى » ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن لا أحد أحب اليه العذر من الله ، من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ، ولا أحد أحب اليه المدحة من الله ، ومن أجل ذلك وعد الجنة .
ويروى : ولا شخص أحب اليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين ، واللام متعلق بأرسلنا محذوفا ، أو تنازع مدخولها مبشرين ومنذرين ، وللناس خبر يكون ، وعلى الله يتعلق بما تعلق به لله على طريق تعدد الخبرن أو يتعلق بقوله : للناس ، أو لمحذوف حال من ضمير حجة فى للناس ، ولا يصح أن يكون للناس حال من ضميرها فى على الله ، على أن يكون على الله خبر يكون ، فان الفاعل فى الحال حينئذ ليس فيه لفظ الفعل ، وهو على ا لله فلا يتقدم عليه الحال على الراجح .