163
الجزء ٤ · صفحة ١٨٧﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ : حال من النبيين ، ولم يذكر مفعول أوحينا ، لأن المقام مقام اثبات أنك نبى له الوحى من الله ، وان نبوتك على طريق نبوة من قبلك ، سواء فى الوحى ، فلا تبال باقتراح أهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابنا من السماء على كيفية يحبونها ، بان يكون نزوله بمرة ، فهذه عدة أنبياء لم ينزل على أحدهم كتابنا بمرة ، وهم مقرون بهم ، كذا قيل : وهو غير مسلم ، وقيل فى سبب نزولها قول بعض أحبار اليهود : ما أنزل الله على بشر من شىء ، وسمى بعض العلماء هذا البعض مسكون ، وعدى بن زيد ، وبدأ بنوح لأنه أول نبى بعث بشريعة ، وأول نذير على الشرك فما قيل ، وذلك بعض أنه أنزل عليه عشر صحائف ، وهذا غير معروف ، ولأنه أول من عذبت أمته لتكذيبهم له وأهلكوا بدعوته ، ولأنه كآدم لأنه لم يلد أحد ممن لم يغرق من الناس ، وهم مؤمنون وممن معه فى السفينة الا أولاده ، وهو أطول الأنبياء عمرا ، ولم تنقص له سن ، وصبر على أذاهم طول عمره .
﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ ﴾ : أولاد يعقوب الاثنى عشر .
﴿ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ﴾ : ذكرهم مع شمول بعض النبيين لهم ، وأعاد لفظ أوحينا تشريفا لهم ، ولأن ابراهيم أول أولى العزم ، وعيسى آخرهم قبل نبينا محمد A ، وأمره الله أن يصبر كما صبر أولوا العزم ، فصبر فكان منهم آخرهم على الاطلاق ، وما بين ابراهيم وعيسى مشاهير الأنبياء كابراهيم وعيسى .
﴿ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً ﴾ : خصه بالذكر لشهرته بزبوره ، واعظاما لزبوره ، وكونه يقرأ بصوت آلين مرات ، وأدخله فى الأسماع والقلوب ، ولذلك بدل الأسلوب فقال : ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً ﴾ ولم يذكر داود وحده بالعطف ، وزبور اسم لكتاب داود عليه السلام ، وأصله فعول بفتح الفاء بمعنى مفعول كركوب بفتح الراء بمعنى مركوب ، أى مزبور أى مكتوب ، ثم تغلبت عليه الاسمية ، وقيل : معناه وآتينا داود كتابا مزبورا على بقاء الوصفية ، وعدم تعيين اسمه بهذا اللفظ ، وليس كذلك بدليل أنه لا يذكر الا بلفظ زبور ، فدل على أنه علم على الكتاب وهو مائة وخمسون سورة ، تسبيح وتقديس ، وتحميد وثناء على الله D ، ومواعظ لا حكم فيه ولا حلال ولا حرام ، ولم يذكر موسى عليه السلام ، لأن كتابه نزل جملة مكتوبا ، وقرأ حمزة زبور كفلس وفلوس فى الوزن بضم الزاى جمع زين بفتح الزاى واسكان الياء مصدر بمعنى مفعول ، أو جمع زبور بفتح الزاى جمع ترخيم بأن حذفت الواو من المفرد ، وسكنت باءه فجمع بعد ذلك .