2
الجزء ٤ · صفحة ٢١٠﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللهِ ﴾ : لا تجعلوها كالشىء الذي يجوز تركه ، ويحل الاعراض عنه ، حتى انه غير طاعة ، أى لا تبطلوها بالنهى عنهان أو تركها ، أو جعل ما نهيتم عنه كأنه قيل : لا تزيلوا حرمتها ، والمفرد شعيرة فعيلة بمعنى فاعلة ، أى مشعرة بكسر العين ، أى دالة على الله ، أو بمعنى مفعولة مجعولة شعيرة ، أى دالة يقال : أشعره الشىء فهو مشعر بفتح مشعر بفتح العين ، أى مجهول دالا وهى دين الله D ، فشملت الحج وغيره من التكاليف والطاعات غير الواجبة ، أى لا تتركوا شيئا مما فرض الله أو ندب اليه ، وذلك تفسير الحسن وعطاء بن رباح .
وقيل : شعائر الله فرائضه ، وقيل : أعمال الحج ومواضعه كالميقات والبيت ومنى وعرفات وجمع ، وذلك مشعر بالله ، وهو أيضا علامات الحج ، وهو قول ابن عباس .
قيل : كان المشركون يحجون ويسقون الهدى ، وأراد المسلمون أن يغيروا على هديهم ومالهم ، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية ، ونزلت فى ذلك .
وقيل : نزلت فى الحطم ، واسمه شربح بن هند بن ضبيعة البكرى ، أتى المدينة وحده ، وخلف خيله خارج المدينة ، فقال للنبى A : الى مَ تدعون الناس؟ فقال : « الى شهادة أن لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة » فقال : حسن الا أن لى قوما لا أقطع أمرا دونهم ، ولعلى أسلم وآتى بهم ، فخرج وقيل قال : لأن قبلوا كنت معهم ، وان أبوا كنت معهم ، وقلد قال A لأصحابه : « يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان » ولما خرج شريح قال رسول الله A : « لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم » فمر بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به مترجزا يقول :
قد لفها بالليل سواق حكم … ليس براعى ابل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم … باتوا نياما وابن هند لم ينم
بات بقاسيها غلام كالزلم … خدلج الساقين ممسوح القدم
فتبعوه ولم يدركوه ، ولما كان فى العام القابل خرج حاجا مع حجاج بكر بن وائل من اليمامة ، ومعه تجارة عظيمة ، وقد قلد الهدى وهو ما أخذ من سرح المدينة ، وذلك عام تمام قصة العمرة التى أحصروا عنها فى الحديبيةن فقال المسلمون : يا رسول الله هذا الحطم قد خرج حاجا معتمرا فخل بيننا وبينه ، فقال النبى A : « انه قد قلد الهدى » فقال : يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله فى الجاهلية ، فأبى النبى A ، فانزل الله : ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللهِ ﴾ .
ولهذا قال من قال : الشعائر بالهدايا المشعرة بفتح العين وهى الابل التي تساق الى مكة للنحر ، يطعن فى سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم ، فيكون ذلك علامة أنه هدى ، ولا يلزم من فعل ذلك أن فاعله محرم مكث أو مضى معها للحج ، وقيل : هو بذلك محرم ، ولو لم يحرم فان فعل مالا يفعله المحرم لزمه ما يلزم المحرم اذا فعل ما لا يجوز ، ويدل للأول ما روى عن عائشة رضى الله عنها : أن رسول الله A أشعر الهدى وقلده ولم يحرم على نفسه ما يحرم على المحرم ، وما يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه صلى رسول الله A الظهر بذى الحليفةن فدعى بناقته فأشعرها فى صفحة سنامها اليمنى ، وسلت الدم عنها ، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء وهو هنا اسم موضع لا مطلق المغازرة هلَّ بالحج .