31
الجزء ٤ · صفحة ٢٨٧وقالت حواء أيضاً كلام عرب وجعل شعراً :
دع الشكوى فقد هلكوا جميعا … بهلك ليس بالثمن الربيح
وما يعنى البكاء عن البواكى … اذا ما المرء غيب فى الضريح
فابك لنفس منمك ودع هواها … فلست مخلداً عبد الذبيح
أى القتل فأجابها ابليس لعنه الله تعالى :
أزحت عن البلاد وساكنيها … فتى فى الخلد ضاق به الفسيح
وكنت به وزوجك فى رخاء … وقلبكما من الدنيا نريح
فما زالت مكايدتى ومكرى … الى أن فاتك الخلد الربيح
فلولا رحمة الجبار أضحى … بكفك من جنان الخلد ريح
﴿ قَالَ يَاوَيلَتِى ﴾ : يا ويلى يا هلاكى قلبت الياء ألفاً ، وذلك تحسر على حمله أخاه مدةن وصاح بأ ، حمله هلاك عظيم دنيوى ، وقع فيه فناداه ليحضر مجازاً لتعجب منه الناس .
﴿ أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ ﴾ : استفهام توبيخ لنفسه ، والمعنى أعجزت عن كونى مثل هذا الغراب القاتل للغراب الآخر الدافن له فأدفن أخى الذى قتلت كما فعل كما قال :
﴿ فَأُوَارِىَ سَوءَةَ أَخِى ﴾ : أسترها بالدفن فى التراب ، والنصب عطف على أكون لافى جواب الاستفهام ، لأن المواراة لا تسبق لعجز عنها بل عن القدرة عليها ، وقرىء فأوراى بسكون الياء للتخفيف على لغة من يخفف المنصوب المعتل ، أو على أنه مرفوع أى فأنا أوارى .
﴿ فَأَصبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ : من جملة أهل الندم على ما فعلوا ، وقد فات لا ندم توبة بل ندم تحسر على حمله مدة طويلة كما مر ، وصيرورته تلميذا للغراب وسواد لونه وعدم تزوجه لأخته اقليما مع القتل وقع بسببها ، ولو قيل انه ذهب بها الى عدن ، ومعاداة أبيه أو أمه له ، والتجبر فى أمره والتغرب عن الوطن ، وعدم انتفاعه بقتله ، ولم يسلم من تفضيل الناس أخاه عليه ، وقولهم انه تقبل قربانه ، ولم يقتل قربان قابيل ، وابتلاه الله بأنه لا يمر به أحد الا رماه ، أعنى رمى قابيل ، وقيل : المراد الندم على حمله على ظهره لدلالة ما سبق عليه ، ومناسبته له ، والأول أعم ، ومن جملة النادمين ابن لقابيل أعمى ، قاده ابن له فقال له ابنه : هذا أبوك قابيل ، فرماء الأعمى لما علمت أن قابيل يرميه كل من مر به سلط عليه ذلك ، وطبع الناس عليه ، فلما رمى الأعمى أباه قابيل قتله ، قال له ابنه : قتلت أباك قابيل ، فرفع يده فلطم ابنه القائل له ، فقال : ويلى قتلت أبى برميى ، وابنى بلطفى .
وقال الكلبى : لم يحمل أخاه هابيل على ظهره ، وانما ندم على عدم دفنه ، وقال : انه قتل أخاه هابيل عشية وغدا اليه غدوة الغد لينظر ما فعل ، فاذا هو بغراب يبحث فى الأرض لغراب ميت ، وحثا عليه التراب فقال : ﴿ يَاوَيلَتِى أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوءَةَ أَخِى ﴾ فحفر لها بيده ، وواراه ، واختلفوا فى قابييل هل هو مشرك؟ والصحيح أنه فاسق منافق .