89
الجزء ٤ · صفحة ٣٨٧فالكفارة فى الأصل صفة المبالغة كفارة أى ساترةن ثم تغلبت عليها الاسمية فى عرف الفقهاء ، ومشهور المذهب أنه لا يجوز التكفير قبل الحنث ، وبه قالت الحنفية ، وقالت الشافعية ، وجمهور العلماء ، ونسب لعمر ، وابن عباس ، والحسن ، وابن سيرين ، ومالك ، والأوزاعى أنه قال : يجزى ، واستثنى الشافعى الصوم ، وأوجب تأخيره عن الحنث ، لأنه بشرط العدم .
واستثنى أيضاً يمين المعصية ، لا يجزيه التكفير قبل الحنث ، واستدلوا بقوله A : « من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر يمينه وليأتى الذى هو خير » وبظاهر الآية ، فانه ذكر الله تعالى الكفارة مرتبة على اليمين بلا ذكر للحنث .
الجواب : أن المراد فى الآية الكفارة بعد الحنث ، لأنها عوض فلا يكون الا بعد فوات المعواضة عنه وهو المحلوف عليه بالحنث ، فلو كفر على نية الحنث ، ثم لم يحنث لضاعت كفارتهن وأما الحديث فما بعد الفاء كله مرتب على ما قبلها ، وأما ما بعدها بعض مع بعض فلا ترتيب ، لأن العطف بعد ما يلى الفاء لم يكن بالفاء أو ثم ، فالمراد فليأت الذى هو خير ثم يكفر يمينه ، ثم رأيت والحمد لله ما يدل لذلك وهو قوله A لعبد الرحمن بن سمرة : « يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فانها ان أتتك عن مسألة وكلت اليها ، وان أتتك عن غير مسألة أعنت عليها ، واذا حلفت على يمين فرأيت خيراً منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك » أعنى انه قدم الحنث على التكفير كما قدم التكفير فى الحديث السابق فلا يحرم بترتيب ما بعد تالى الفاء وثم على تاليها ، بل نجزم بأن مجموع ما بعد الفاء وثم مرتب على ماقبلها الا بدليل ، وتقول : الفاء فى جواب شرط محذوفن أى اذا جنثتم فكفارته الخ .
وبين الله مصرف الكفارة وهو المساكين ، وبينته السنة وهو الفقير الموحد الحر موافقاً أو مخالفاً بأى حال ، الا ان كان ممن لا يطعم ولا يسقى ولا يسلم عليه ، أو كان يستعين بها على المعصية على علم من المعطى ، أو ظن راجح مثل أن تعلم أته ان أعطيته صرف ما أعطيته فى خمر أو دخان ، وأجاز بعض أصحابنا وأبو حنيفة صرفها الى الذمى ، وفروع ذلك فى الفقه ، أو لم يكن تلزمه نفقته ، وخرج من اللبن واستغنى بالطعام .
﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ : كل واحد يطعم غداء وعشاء يشبعهم ، أو يكال له ، والظاهر أنه لا يجزى الا عشرة فلو اقتصر على واحد وأطعمه عشرة أيام أو كال له ما يكيل لعشرة أو على اثنين وأطعمهما خمسة أيام ، أو كال لكل ما يكيل لاثنين وما أشبه ذلك لم يجرن وأجازه بعض أصحابنا وأبو حنيفة يرون أن المراد من الطعام طعام عشرة مساكين ، أى ما يكفيهم سواء أطعمه عشرة أو أقل ، وعليه فيجوز أيضاً أن يطعم ذلك أكثر من عشرة مساكين حتى قيل : قبضة لكل مسكين .