115
الجزء ٤ · صفحة ٤٣٩فقال شمعون : أمن طعام الدنيا هذا أمن طعام الجنة؟ فقال عيسى : ليس من طعام الدنيا ، ولا من طعام الجنة ، ولكنه شىء افعله الله بقدرته العالية ، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله ، فقالوا : يا روح الله كن أول من يأكل منها ، فقال عيسى : معاذ الله أن آكل منها ، انما يأكل منها من سألها ، فخافوا أن يأكلوا منها ، فدعا لها عيسى عليه السلام أهل الفاقة ، وأهل البرص والجذام ، والمقعدين والمبتلين ، فقال : كلوا من رزق الله ، ولكم الهناء ولغيركم البلاء ، فأكلوا وصدروا عنها ألف وثلثمائة من رجال ونساء حتى شبعوا ، ثم نظر عيسى الى السمكة ، فاذ هى كهيئتها حين نزلت من السماء ، ثم طارت الى السماء ينظرون اليها حتى توارت ، فلم يأكل منها مبتلى الا عوفى ، ولا فقير الا استغنى ، ولم يزل غنياً حتى مات وندم الحواريونن ومن لم يأكل منها .
وكانت اذا نزلت اجتمع اليها الأغنياء والفقراء ، والكبار والصغار ، والرجال والنساء ، ولما رأى ذلك عيسى عليه السلام جعلها نوبة بينهم ، فلبث أربعين صباحاً تنزل ضحى فلا تزال منصوبة ، يؤكل منها حتى يفىء الفىء طارت ينظرون فى ظلها تنزل يوماً ، ولا تنزل يوماً فأوحى الله الى عيسى عليه السلام : اجعل مائدتى ورزقى للفقراء دون الأغنياء ، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شككوا الناس فيها .
ويروى أنه لما قال : كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله ، فقال الحواريون : يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى ، فقال عيسى عليه السلام : يا سمكة احيى باذن الله ، فضطرت السمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها ، ففزعوا فقال عيسى عليه السلام : ما لكم تسألون أشياء ، فاذا أعطيتموها ما أخوفنى عليكم أن تعذبوا يا سمكة كونى كما كنت باذن الله ، فعادت كما كانت السمكة مشوية ، فقالوا : يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها ، فقال : معاذ الله انما يأكل منها من سألها الى آخر ما مر ، ولما عظم على الأغنياء تخصيص الفقراء بها بعد اشتراكهم ، صعب عليهم فقالوا للناس : أترون أن المائدة تنزل من السماء حقاً ، فأوحى الله D الى عيسى عليه السلام : أنى شرطت أنه من كفر بها بعد نزولها عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ، فزعم بعض أن عيسى قال فى ذلك : ﴿ ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم ﴾ فمسخ الله منهم ثلثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع نسائهم على فرشهم ، ثم أصبحوا خنازير يسعون فى الطرقات ، يأكلون العذرات .
ولما رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى عليه السلام وبكوا ، ولما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطوف به ، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم لا يقدرون على الكلام ، وماتوا لثلاث ليال .