1
الجزء ٤ · صفحة ٤٥٠وأيضاً إذا كانت الظلمة ميتة فكيف تفعل الشر ، فإن فعله النور فهو لا يفعل الشر ، وإن كذب فالكاذب غير حكيم ، ولا يتناقض قوله أو قوله مع فعله ، وما ورد على المنانية ورد عليهم ، وكل ما يرد به على الدهرية يرد به عليهما وعلى المرنية أيضا ، الزاعمين أن الأشياء من نور وظلمة قديمين وثالث متوسط بينهما وهو الإنسان . والرد عليهم فى نحو الممازجة كالرد عليهما .
وإن قالوا : الإنسان طلب المزاج بينهما بنفسه ، فإن كان شريراً فلا يكون ثالثاً لهما وهو جاهل شرير التحق بالظلمة ، والظلمة شر منه ، وإن كان خيراً التحق بالنور ، وإن كان حكيما يجب ممازجة الظلمة ، وجمع الظلمة لكثرة أسبابها ، والأجرام حاملة لها ، وسببها تخلل الجرم الكثيف بين النير وبين ما يقع عليه نوره ، بخلاف النور ، فسببه النار والشمس والقمر وسائر الكواكب والبرق ونحو ذلك ، والنور كيفية محسة تدركها الباصرة أولا بواسطتها تدارك سائر المبصرات ، والظلمة عدم النور فى الجسم الذى فى شأنه قبول النور .
وقيل : الكيفية الوجودية المضادة للنور زعما أن الإعدام غير مخلوقه والحق إلا الإعدام الصرفة غير مخلوقة ، كعدم خلق جبل فى موضع من الأرض ليس فيها ، وكعدم خلق زيد قبل أن يخلق ، والإعدام الوجودية مخلوقة كالظلمة إذا قيل إنها عدم النور ، فقبلت الجعل لأنها ليست عدماً محضاً ، والموت إذا قيل إنه عدم الحياة والتقابل بين النور والظلمة تقابل العدم والملكة ، أى الوجود إذا قلنا إنها عدم النور عما من شأنه أن يقبل النور أو استدل على أنها عدم بقوله : « جعل الظلمات والنور » ولم يقل خلق وهو استدلال مشكل لذكر النور يجعل أيضا .
والدليل على أنها أمر عدمى رؤية المجالس فى الغار المظلم الخارج إذا وقع على الخارج ضوء ، والخارج عنه لا يرى الجالس فيه ، فهذا مما يبطل قول من قال : إنها كيفية وجودية مانعة عن الإبصار وإن تقابل بينهما وبين النور تقابل الضدين ، فهى عرض مضاد للنور ، ولو كانت الظلمة أمراً حقيقياً قائماً بالهواء ، مانعاً من الإبصار لم ير أيضاً داخل الغار خارجه الواقع عليه الضوء ، إلا أن يقال : قد يكون العائق عن الرؤية ظلمة تحيط بالمرئى ، لا الظلمة المحيطة بالرائى ، ولا الظلمة مطلقاً ، كما أن شرط الرؤية ضوء محيط بالمرئى لا الضوء مطلقاً ، ولا الضوء المحيط بالمرائى ، ومراد بالإحاطة أن يحيط بما رئى وبعضاً ، فإذا رئى بعض الإنسان فقط لكون باقيه فى الظلمة ، فقد أحيط بذلك لبعض ، واستدل أيضا بكونها عدمية بأنا إذا قدرنا خلو الجسم من النور من غير انضياف صفة أخرى إليه ، لم تكن حاله إلا هذه الظلمة التى نتخيلها أمراً محساً فى الهواء ، وليس هناك أمر محس .
ألا ترى أنا إذا أغمضنا العين كان حالنا كما إذا فتحناها فى الظلمة الشديدة ، ولا شك أنا لا نرى فى حال التغميض شيئاً فى جفوننا ، بل لنا فى هذه الحالة أن لا نرى شيئاً فنتخيل أنا نرى كيفية السواد ، وكذا الحال فى تخيلنا الظلمة أمراً محساً ، والضوء شرط وجود اللون فى نفسه ، فاللون إنما يحدث فى الجسم بالفعل عند حصول الضوء فيه ، وأنه أى اللون غير موجود فى الظلمة ، لفقد شرط وجوده ، بل الجسم فى الظلمة مستعد لأن يحصل فيه عند الضوء اللون المعين ، فإنا لا نراه فى الظلمة ، فعدم رؤيتنا له إما لعدمه فى نفسه أو لوجود العائق وهو الهواء المظلم ، والثانى باطل ، لأن الهواء المظلم غير مانع من الإبصار ، فإن المجالس فى الغار المظلم يرى من وقع عليه الضوء خارجه ، فلم يعقه الهواء المظلم بينهما ، والمختار عندى وعليه الفخر أن الضوء شرط لرؤيته لا لوجوده ، لأن رؤيته زائدة على ذاته ، والمتحقق المتيقن عدم رؤيته فى الظلمة ، وأما عدمه فى نفسه فلا .