61
الجزء ٥ · صفحة ٣٤﴿ وهُو القاهِرُ فَوقَ عِبادهِ ﴾ القاهر لخلقه بما شاء بعد وجودهم ، والقاهر لهم بالإيجا قيل الوجود ، بمعنى أنهم لا متنازع لهم عن الوجود إذا أراده ، وفوق حال مؤكدة لعاملها ، لأن القاهر للشئ يكون فوقه بالشأن والعظمة ، ويجوز أن يكون الحال غيره مؤكدة ، لأن القاهر قد يكون خبيثاً لا شرف له ، فتكون الحال مؤكدة ، لأن القهر فى الجملة قد يكون بلا شرف . .
وأريد بالفوقية عظمة الشأن والشرف ، وزعم سلف الأشعرية أن الفوقية فى صفة الله يجب الإيمان بها ، ويوكل علمها إلى الله ولا يؤولونها بعظمة الشأن ، وذلك خطأ منهم ، ثم إن القهر على أقسام : منها قهر المخلوق على إيجاده بمعنى يوجده ، ولا يتعاصى عن الوجود ، وسواء للأجسام والأعراض ، ولا جسم بلا عرض ، ومنها قهر المخلوق على ما يكره ، ولا يستطيع دفعه ، ودخل فى القسم الأول فهو الظلمة بالنور ، والفقر بالغنى ، والضعف بالقوة ، والمرض بالصحة ، والليل بالنهار ، ونحو ذلك من الأضداد والمتناقضات ، كالذل بالعز ، وعكوس ذلك ، والحياة بالموت ، والعدم بالوجود ، ودخل قهر المتنافيات بالجمع كالروح مع البدن ، فالبدن جسم يفسد لا يبقى ، ليس فيه نور فهم ومعرفة ، كثيف سفلى ظلمانى ، ومع ذلك اجتمع مع الروح الذى ليس يفسد ، وهو نورانى ذو فهم ومعرفة ، لطيف وعلوى .
﴿ ويُرسل عَليْكم حَفظةً ﴾ ملائكة يحفظون أعمالكم وهم الكرام الكاتبون ﴿ وإنّ عليكم لحافظين * كراماً كاتبين ﴾ وحكمة إرسالة الحفظة مع أن الله قادر على ابن آدم أن يحفظه عن الجن بدونهم ، إظهار شرف بنى آدم على الجن والملائكة إذا استخدم لهم الملائكة ، وحكمة إرسال الحفظة لحفظ الأعمال ، مع أن الله عالم بها أن يستحى ابن آدم منهم ، فلا يعصى الله ، لأن الله قد أخبرنا أن معكم ملائكة يحفظون أعمالكم ، ولو لم يرسل الملائكة لحفظ الأعمال لزدت يا ابن آدم جراءة على المعاصى .
لعلمك إن الله عاف وستار … أقل عثراتى فابن يوسف معثار
وأيضا إذ علمت أن أعمالك تكتب وتقرأ على رءوس الأشهاد قرب ما انزجرت ، قيل : مع كل إنسان ملكان : كانت الحسنات عن يمينه إذا قعد أو قام ، وكاتب السيئات عن يساره ، وإن اضطجع فكاتب الحسنات عند رأسه ، وكات السيئات عند رجليه ، وإن مشى فكانت الحسنات أمامه وكاتب السيئات خلفه ، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات ، إذا فعل سيئة وأراد أن يكبتها قال له أمهل لعله يتوب ، فيهمل خمس ساعات ، وقيل : سبعاً ، وقيل : تسعا .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما : مع كل مؤمن خمسة من الحفظة : واحد عن يمينه يكتب الحسنات ، وواحد عن يساره يكتب السيئات ، وواحد أمامه يلقنه الخيرات ، وواحد خلفه يدفع عنه الآفات ، وواحد على ناصيته يكتب صلاته على النبى A ويبلغها إليه ، وقيل : مع كل مؤمن أربعة : اثنان ليلا واثنان نهاراً وقيل : ستون ، وقيل : مائة وستون ، وقيل غير ذلك كما شهر فى شروح الحديث والفقه ، يدفعون عنه الشياطين ، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين .