38
الجزء ٥ · صفحة ٢« لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم » والمراد فالدابة غير بنى آدم لأنه ذكر بنى آدم بقوله : ﴿ أمثالكم ﴾ .
وقيل : وجه الشبه فى قوله : ﴿ أمثالكم ﴾ الحساب والقصاص ، فإذا كانت البهائم تقتص من بعضها لبعض ، فأنتم أحرى ، إذ أنتم مكلفون عقلاء ، قال أبو ذرك رضى الله عنه : انتحطت عنزان بحضرة النبى A فقال : « أتعلمون فيما انتطحتا؟ » قلنا : لا ، قال : « فإن الله يعلم وسيقضى بينهما » وبذلك قال الطبرى ، وأما مكى وهو عالم مغربى أندلسى ينسب إلى مكة لأنه طلب العلم فيها فقال : وجه الشبه أنها تعرف الله وتعبده ، قيل إن الحيوانات توحد الله وتسبحه ، وتصلى له ، وقيل : أمثالكم فى طلب الرزق ، وتوقى المهالك ومعرفة الذكر والأنثى .
﴿ ما فَرَّطْنا فى الكِتابِ منْ شَئٍ ﴾ أى ما قصرنا ، والتفريط التقصير فى الشئ المعتاد إليه مع قدرة عليه ، قال أبو حيان فى تفسيره المسمى بالبحر : أصل فرطنا أن يتعدى بفى ، ثم يضمن معنى أغفلنا فيتعدى إلى مفعول به وهو هنا كذلك ، فيكون من شئ فى موضع المفعول به انتهى . يعنى أن من لتأكيد العموم ، وشئ مفعول به ، ويجوز أن يكون شئ مفعولا مطلقاً ، أى ما فرطنا شيئاً ، أى ما فرطنا تفريطاً ما ، أى لا تفريط ولو أقل قليل ، وقرأ علقمة ما فرطنا بتخفيف الراء والتشديد أبلغ ، والأبلغية ترجع إلى النفى ، والكتاب اللوح المحفوظ ، فإن فيه جميع ما يجرى فى المخلوقات من حركة وسكون ، ورزق وأجل ، وعدد وغير ذلك فى الحيوان وغيره .
وقيل : الكتاب القرآن فشئ على القول الأول عام فى جميع الأشياء ، وعلى الثانى بمعنى ما يحتاج إليه من أحكام الدين ، فإن كل ما يحتاج إليه من أمر الدين قد اشتمل عليه القرآن بتصريح أو تضمين وتفصيل أو إجمال ، مع أن التفريط التقصير فيما لا بد منه ، فلا يشكل بما لا يحتاج إليه من مسائل الدين التى لا تقع البلية بها ، والإجماع حجة ، وخبر الواحد حجة ، والقياس حجة أثبتها القرآن ، وكل ما دل عليه أحد الثلاثة ، فمن القرآن قال A : « عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى » وقال الله تعالى : ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ وكان ابن مسعود يقول : مالى لا ألعن من لعنه الله فى كتابه ، يعنى الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة .
وروى أن امرأة قرأت جيمع القرآن ثم أتته فقال : يا ابن أم عبد تلوث البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الله الواشمة؟ فقال : لو تلوتيه لوجدتيه؟ قال الله تعالى : ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ ومما أتانا به رسول الله A أن قال :