هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

63

الجزء ٥ · صفحة ٣٨

﴿ قُلْ ﴾ لعبدت الأصنام ﴿ مَنْ يُنجِّيكُم مِن ظُلماتِ البرِّ والبحْرِ ﴾ قيل : ظلمات البر والبحر ظلمة الليل بلا سحاب ، وظلمته بسحاب ، وقيل : ظلماتها الضلالة عن الطريق فيهما ليلا أو نهارا فى ظلمة ِأو ضوء ، فذلك استعارة للفظ الظلمات لخطأ السبيل فيهما بجامع الهلاك ، والأولى أن يقال : هى شدائد البر والبحر كلها من ضلالة الطريق ، لظلمة الليل والسحاب أو غيرهما ، ومن الخسف ، ومن الريح العاصف ، والموج الهائل ، وضرب السفينة للجبل ، ودخول طرفها فى الدردور ، وانكسارها ، والغرق ، وملاقاة العدو فى البر والبحر ، وهجومه ، والسبع والمضار كلها على الاستعارة ، كما يقال : يوم مظلم قال الشاعر :

*لكن لكم يوم من الشر مظلم* … ويقال : يوم ذو كواكب ، وقرأ يعقوب بإسكان نون ينجيكم وتخفيف جميعه ، والاستفهام للتوبيخ والنفى ، أى لا مخلوف ينجيكم وهو إلزام وتبكين لهم .

﴿ تدْعُونَه تضرُّعاً وخُفْيةً ﴾ لينجيكم من تلك الظلمات ، والتضرع والخفية مفعولان مطلقان ، فإن التضرع الجهر ، والخفية الإسرار ، وهما الدعاء ، والدعاء هما ، أى يدعون دعاء جهيراً أو دعاء خفيا ، أو يجهرون فى دعائهم جهراً ، ويستخفون فيه خفاء أو يقدر مضاف أى تدعونه ، دعاء تضرع ودعاء خفية ، أو حالان ، أى ذوى تضرع وذوى خفية ، أو متضرعين ومخفين ، وقرئ بكسر الخاء وهو لغة فى خفية بضمها ، والجمهور على الضم ، ونسب بعضهم الكسر إلى عاصم فى رواية أبى بكر عنه ، وهو على كل حال من الخفاء وقرأ الأعمش خفية بالكسر من الخوف ، وجملة تدعونه حال من الكاف .

﴿ لئن أنْجيتَنا مِنْ هذهِ ﴾ مفعول لحال محذوفه ، أى قائلين لئن أنجينا من هذه الظلمات ، ومحكى لتدعونه ، لأن فيه معنى القول مع زيادة المعنى الذى تعدى به إلى الهاء ، والإشارة إلى الظلمات ، وأفرد اللفظ بتأويل الجماعة ، أو الجملة ، أو وجه قصد معنى الجمع أنه كلما وقع قوم أو فرد فى ظلمة دعوا الله فى الخلاص منها قائلين : لئن أنجيتنا من هذه الظلمة ، فتجتمع منهم ظلمات ، وقد تكرر من قوم واحدة ظلمات كل على حدة أو بمرة فجمعها ، ويجوز عود الإشارة إلى الظلمة الواحدة على الأصل ، ووجه هذا القصد أن يذكر الله حقيقة دعوة كل واحد وكل قوم عند الظلمة ، الواحد على العموم البدلى ، وقرئ : لئن نجيتنا بالشديد فتح النون وإسقاط الهمزة ، وقرئ : لئن أنجانا بالألف .

﴿ لنكونَنَّ مِنَ الشَّاكِرين ﴾ لنعمتك بالإيمان بجميع ما يجب الإيمان به ، وعبادتك وحدك ، وفى معنى ذلك ، أو يقال من الشاكرين بمعنى من المؤمنين ، والمراد شكر نعمتى الانجاء وغيره أن المضطر يعد من نفسه ما لا يفرح به ويغتبط أحقر أحواله من قبل ما دام مضطراً .

٢٬٠٣٨ / ٧٬٦٨٠