هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

75

الجزء ٥ · صفحة ٥٨

﴿ وكَذلكَ نُرِى إبراهيم مَلَكوت السَّموات والأرض ﴾ مثل هذا التبصير لبصر إبراهيم ، والإشارة إلى ما ذكر من رؤية إبراهيم آزر وقومه فى ضلال مبين ، وتعلق الكاف بها بعدها أو بمحذوف نعت مصدر محذوف ، أو تجعل اسما مفعولا مطلقاً إذ كانت نعتاً لمصدر محذوف كما رأيت ، وصحت الإشارة بذلك للمؤنث وهو الرؤية لتأويل المذكور ، وصح تشبيه الإراءة بالرؤية باعتبار ما يحصل من الإرادة وهو الرؤية ، أو باعتبار أن رؤية إبراهيم أباه وقومه فى ضلال مبين إنما هى بإراءة الله جل وعلا إياه ، أن أباه وقومه فى ضلال مبين .

وقيل : الإشارة إلى الإراءة فى قوله : ﴿ نرى إبراهيم ﴾ وفيه ضعف ، لأن مثل هذا مما فيه الإشارة والتشبيه للشئ بحيث يكون على صورة تشبيه الشئ بنفسه ، يتقدم فيه المشار إليه نحو صحح الله جسمى ، وعلمنى ورزقنى ، وهدانى للإسلام ، كذلك أكرمنى الله إذا أشرت إلى التصحيح والتعليم والرزق والهدى ، ووجه ذلك أن وصف الشئ قد يخالف حقيقته بقصد من المتكلم ، لأن المخاطب لا يحقق ما خوطب به ، أو لأن المتكلم لا يقدر على الوصف الحقيقى لعظمة الموصوف أو لقصوره أو تقصيره ، فكأنه قيل ذلك على نحو ما وصفته ، وترى بلفظ مضارع الحال مع أن الإراءة قد مضت تصويراً للماضى منزلة ما حضر لمزيد تحقيقه ، كما يحقق الشئ الشاهد ، وملكوت مفعول ثان ، وقرئ ﴿ وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ بمثناة فوقية ، وفتح الراء ونصب إبراهيم ورفع ملكوت على أنه نائب الفاعل ، لكن من نيابة المفعول الثانى ، وهذه الإراءة بصرية تعدت لاثنين : الأول بالهمزة من قولك أراءة ، والثانى بنفسه قبل الهمزة ، ولكونها بصرية تعدت لاثنين فقط ، مع وجود همزة التعدية ، فإنه رأى الملكوت ببصره ، وقد يقال إنها من علم العرفان المتعدى لواحد ، فتعدى الأخر بنفسه .

هذا ما ظهر لى فى تحرير المقام ، قال سلمان الفارسى ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد : هذه الرؤية التى أراه الله إياها ، ملكوت السموات والأرض رؤية عين ، انفرجت له السموات والأرضون ، ورأى مكانه فى الجنة ورأى العرش والكرسى ، وما فى السموات من العجائب ، ونظر إلى أسفل الأرضين وما فيهن من العجائب ، فذلك ملكوت السموات والأرض ، أقامه الله على صخرة فكشف له عن ذلك ، وبذلك قال على بن أبى طالب ، وعنه وعن سلمان : أنه لما رفع إبراهيم ليرى ملكوت السموات والأرض رأى رجلاً يزنى ، فدعا عليه فهلك ، ورأى آخر يسرق ، فدعا عليه فهلك ، فرأى آخر يعصى ، فدعا عليه فهلك ، فرأى رابعاً فأراد الدعاء عليه فأوحى الله إليه دع عنك عبادى ، فإنك لم تخلقهم ، وإنك مجاب الدعاء فلم يهلك الرابع ، وقيل هذا فى الثالث فلم يهلك الثالث إما أن يتوب عبدى فأغفر له ، وإما أن أخرج من صلبه ذرية تعبدنى ، وإما أن يبعث إلىَّ فلا يفوتنى عذابه ، وفى رواية وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه .

٢٬٠٥٨ / ٧٬٦٨٠