73
الجزء ٥ · صفحة ٥٣﴿ وهُو الذِى خَلق السَّموات والأرْض بالحقِّ ﴾ أى قائما بالحق ، فقائما حال ، أو إقامة بالحق ، فإقامة مفعول لأجله ، أو الباء بمعنى اللام متعلق بمفعول لأجله ، أى إظهاراً للحق ، ولا واجب على الله ، وتصرفه فى الخلق حق على الإطلاق ، وقال المعتزلة : معنى كونه حقاً أنه على وفق المصالح ، وزعموا أنه تجب مصلحة العبد على الله ويجوز أن يكون الحق بمعنى كمال القدرة وإحكام الصنعة ، فتعلق بخلق ، وتم مقول قل فى قوله بالحق .
﴿ ويَومَ يقُول كنْ فيكونُ قولُه الحقُّ ﴾ يوم متعلق بمحذوف وجوبا خبر مقدم ، وقوله مبتدأ مؤخر ، أى قوله الحق ثابت يوم يقول كن فيكون ، ويوم بمعنى مطلق الزمان لا مقابل الليل ولا مجموع الليل والنهار ، والنعت للمدح ، فإن قوله أبدا حق أو للكشف لذلك ، كقولك الجسم الآخذ حيزاً مركب ، فإن الجسم أبدا آخذ حيزا ، واسم الزمان يكون خبراً للمعانى ، والقول معنى ، وليس اليوم يوم القيامة ، بل كل زمان يوم القيامة وغيره ، وإن شئت قدرت الكون خاصاً ، أى قوله الحق نافذ يوم يقول بما يشاء كن فيكون ، وليس ذلك احترازاً عن يوم لا ينفذ فيه قوله ، لأنه لا يصح ذلك ، لأن قوله لا يكون إلا نافذاً قبل وجود الزمان وبعد وجوده ، وكأنه قال : قوله الحق نافذ كل وقت يقول كن فيكون ، وهذه الجملة الاسمية معطوفة على قوله : ﴿ هو الذى خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وكن مجاز عن سرعة التكوين ، لا تكلم بالكاف والنون ، ولا خلق لفظ كن فى الهواء أو فى شئ ، وقد لا هواء ولا مخلوق ، ومتعلق قل محذوف أى يوم يقول لشئ كن ، فضمير يكون عائد إلى هذا الشئ المقدر .
والمعنى هو الخالق للسموات والأرض بالحق ، وقوله الحق نافذ بسرعة فى كل ما توجهت إليه إرادة كونه ، فإن قوله هو توجه إرادته إلى شئ حسبما قضى فى الأزل ، وقيل : يوم مفعول به معطوف على السموات لا ظرف ، أى خلق السموات والأرض ، ويوم يقول لما أراد كونه كن فيكون ، أى خلق ذلك اليوم ، أى خلق لوقوع الأشياء زماناً ، ولعله أراد بيوم يقول يوم القيامة ، ويجوز عطفه على هاء اتقوه ، فيكون بمعنى القيامة وهو مفعول به ، أى اتقوا الله واتقوا يوم يقول كن فيكون ، أى اعملوا لذلك اليوم ، ويجوز أن يكون ظرفاً يتعلق مما يتعلق به بالحق ، أى خلق السموات والأرض قائما بالحق يوم يقول فيكون قائماً حالا مقدراً ، أو يقدر المفعول من أجله يتعلق به بالحق ، ويتعلق به يوم على ما مر فإذا عطفت يوم على السموات أو على الهاء ، أو علقته بما تعلق به بالحق فالمقول يقل تم فى قوله : فيكون وفاعل يكون عائد بمتعلق يقول ، أى يقول لما أراد كونه كن فيكون ، والذى أراد كونه هو حياة الموتى بالبعث ، فيكون قوله مبتدأ والحق خبره ، والجملة مستأنفة ، وقوله فاعل يكون ، أى ويوم يقول بقوله الحق كن فيكون قولهُ الحق .