هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

70

الجزء ٥ · صفحة ٤٦

﴿ وذَرِ الذِينَ اتَّخذوا دينَهم لعباً ولَهواً ﴾ أى ترك مخالطتهم إلا لهم كحاجة لا بد منها ، وكأمر ونهى ، أو لا تبال بأفعالهم وأقوالهم فلم تضرك وبالها عليهم لا عليك ، ويجوز أن يكون ذلك تهديداً لهم ، وبه قال مجاهد كقوله تعالى : ﴿ ذرنى ومن خلقت وحيداً ﴾ ومن قال كقتادة المعنى لا تقاتلهم على خوضهم وشركهم ، قال : نسخ ذلك بآية السيف ، ومعنى اتخاذهم دينهم لعباً ولهواً أنه لا بد لكل أحد مكلف من دين هو دين الحق ، وهؤلاء اتخذوا دينهم غير دين الحق ، إذ جعلوه لعباً ولهواً ، والحاصل أنهم أحبوا أن يكون لهم دين فجعلوه أمراً يلهون به عن الحق ويلعبون به ، ولا ثمرة لهم منه ، وهو عبادة الأصنام ، وتحريم البحائر والسوائب ونحو ذلك مما مرجعه إلى التشهى والتقليد .

ويجوز أن يكون المراد بدينهم دينهم الذى فرض عليهم الله تعالى ، ونسب إليهم بلزومه إياهم ، ومعنى اتخاذهم دين الله لعباً ولهواً استهزاءهم به ، ويجوز أن يراد بالذين العيد ، أى اتخذوا عيدهم لهواً ولعباً ، كانوا يلهون ويلعبون فى عيدهم ، ومن شأن العيد العبادة ، فالمشركون كلهم أهل الكتاب وغيرهم يلهون ويلعبون فى أعيادهم ، بخلاف المسلمين ، فإن أعيادهم للصلاة والتكبير ، وزكاة الفطر والضحايا ، وذكر الله والخطبة ، والاستماع لها ، وحضور الجماعة ، فمن فعل فى عيده لعباً ولهواً فقد تتبع سنن من قبله من أهل الكتاب ، إلا من قصد برميه أو إجراء فرسه أو نحو ذلك التدرب على الجهاد ، ويسمى العيد ديناً لأنه يعتاد ، ومن معانى الدين العادة .

*أهذا دينه أبداً ودينى* … ولعباً مفعول ثان ، ويجوز أن يكون اتخذوا بمعنى اكتسبوا ، فيكون لعباً مفعولاً لأجله ، أى اكتسبوا ما هو دينهم ليلهوا به ويلعبوا ، ويجلبوا مر الدنيا كالرياسه والمال ، ولما لم تكن لذلك منفعة فى الآخرة كان لهواً ولعباً ، أى لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون فى آيات الله ، وعنه A : « أنا زعيم ببيتٍ فى رض الجنة لمن ترك المراد ولو كان محقاً ، وببيت فى وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مزاجاً ، وببيت فى أعلى الجنة لمن حسن خلقه » وعنه A : « من جعل الهموم هما واحداً هم المعاد كفاه الله هم الدنيا ، ومن تشعبت به الهموم هموم الدنيا لم يبال الله تعالى فى أى أوديتها هلك »

﴿ وغرَّتْهم الحياةُ الدُّنيا ﴾ خدعتهم بزخرفها ، فأقبلوا إليها وتركوا الآخرة ، وقد أنكروها وتوهموا أن ما أعطوه فى الدنيا أعطوه لكرامتهم على الله ﴿ وذَكِّرْ بهِ ﴾ أى ذكر المشركين بالقرآن أو بدينهم المذكور فى قوله تعالى : ﴿ اتخذوا دينهم ﴾ على أن المعنى الدين الذى كلفهم الله به .

﴿ أن تُبْسل نفسٌ بما كَسَبَت ﴾ فى تأويل مصدر مفعول لأجله على حذف مضاف ، أى مخافة بل النفس بما كسبته من الأعمال القبيحة والعقائد الزائفة ، أو بكسبها ، وهذا أولى من أن يقدر لئلا تبسل ، ويجوز تقدير عسى لتضمن التذكير معنى الزجر ، أى ذكرهم عن بل النفس ، أى ازجرهم عنه بالقرآن أو بالدين ، ومعنى تُبْسل تسلم إلى الهلاك ، أى تترك له وتخذل له ، قاله الحسن وعكرمة ، فإذا ذكروا انزجروا عمايوجب إسلامها إلى الهلاك ، ويجوز أن يكون بمعنى تمنع عن مرادها فى الجملة وهو الخبر ، فبقوتها فى يوم البعث ، يقال أبسله وبسله أى خذله وتركه لسوء ، أو منعه ما يجب .

٢٬٠٤٦ / ٧٬٦٨٠