65
الجزء ٥ · صفحة ٤٠﴿ قلْ هُو القادِرُ عَلى أن يبْعَث عليكم عذاباً مِن فَوقِكم ﴾ كإرسال الماء من السماء على قوم نوح ، والريح على عاد ، والصيحة على ثمود ، والحجارة على أصحاب الفيل ، وعلى قوم لوط بعد أن قلبهم ﴿ أوْ مِنْ تَحْت أرجُلِكم ﴾ كما خسف قوم شعيب ، وكما أرسلت الأرض ماءها لهلاك قوم نوح إرسال السماء ، وكما قلبت الأرض على قوم لوط ، فإنها تحت أرجلهم ، ثم رفعت فكانت عليهم ، وكما أغرق فرعون فإن الماء المستقر فى الأرض مما يوصف بأنه تحت الأرجل ، إذ يدخل فيه بالأرجل فى الجملة ، وإذ هو فى الأرض التى تحت الأرجل .
وعن السدى ، عن أبى مالك : من فوقكم الرجم ، ومن تحت أرجلكم الخسف ، وهو أيضا مروى عن مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك ، وعن مجاهد وابن عباس : من فوقكم السلاطين المظلمة ، وحكام الجور ، ومن تحت أرجلكم العبيد والسفلة ، وقيل : من فوقكم حبس المطر ، ومن تحتكم منع النبات ، والظاهر أن الخطاب للمشركين فى قوله : ﴿ على أن يبعث عليكم ﴾ إلخ كما هو لهم فى قوله : ﴿ قل الله ينجيكم ثم أنتم تشركون ﴾ وما قبله ، وقال أبىّ بن كعب وجملة : هو للمؤمنين ، قال جابر بن عبدالله وغيره ، عن النبى A : لما نزل ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ قال : « أعوذ بوجهك » ولما نزل : ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال : « أعوذ بوجهك » ولما نزل :
﴿ أو يلبسكم شِيعاً ويذيق بَعضُكم بأسَ بَعضٍ ﴾ قال : « هذه أيسر وأهون » ، استدل بهذا الحديث من قال الخطاب للمؤمنين وهو ضعيف ، لعبد أن يكون النبى A تعوذ لأمته من هذه الأشياء التى توعد بها الكفار وهون الثالثة ، وقد رجح أبو عبدالله محمد بن جرير الطبرى أنه ليس للمؤمنين ، وقال : إنه للمؤمنين جماعة منهم ابن عباس ، ومجاهد ، وابن زيد ، وابن العالية ، وأبى بن كعب قالوا جميعا : معنى ﴿ يلبسكم شيعاً ﴾ الأهواء المختلفة ، ومعنى ﴿ يذيق بعضكم بأس بعض ﴾ القتال الذى وقع بين الصحابة وسفك الدماء ، فهاتان اثنتان وقعتا بعد رسول الله A بخمس وعشرين سنة ، وبقيت اثنتان : بعث العذاب من فوق ، وبعثه من تحت ، وهما لا بد واقعتان عندهم بعد ذلك ، قال أبو العالية : الخسف والمسخ ، وقال أبى : الخسف والرجم .
قال سعد بن أبى وقاص : أقبلت مع رسول الله A ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بنى معاوية ، دخل فركع فيه ركعتين فصلينا معه ، ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال : « سألت ربى ثلاثا أعطانى ثنتين ومنعنى واحدة ، سألت ربى أن لا يهلك أمتى بالسَّنة أى بالجوع فأعطانيها أى أعطانى مسألتى ، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فأعطانيها ، وسألت ربى أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها »