هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

68

الجزء ٥ · صفحة ٤٤

﴿ وإذا رأيتَ ﴾ يا محمد أو يا كل من يمكن منه أن يرى ، وعلى كل حال يدخل غير رسول الله A ، لأن حد رسول الله A وحد غيره سواء ، لا بدليل الخصوصية ، ولقوله تعالى : ﴿ ولقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ الآية .

﴿ الذين يخُوضُون فى آياتِنا فأعْرِض عَنْهم حتَّى يخُوضُوا فى حَديثٍ غَيرِه ﴾ المفعول الثانى لرأيت محذوف ، أى إذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا يخوضون فيها ، أى إذا علمتم يخوضون ، لأنه من رأى إنساناً يفعل شيئا علم أنه يفعله ، وباعتبار هذا صح فى كل رؤية بصر أن تجعل علمية باعتبار ما يحصل من العلم فى القلب برؤية العين ، والرؤية بمعنى العلم تعم ما سمع وما أبصر ، وما حكى منه أن يقال إنهم يخوضون فلا يمشى إليهم بالقعود معهم ، ومعنى الخوض فى آيات الله D التكلم فيها بالباطل ، كالكذب واللهو واللعب ، فأصل الخوض الدخول فى الماء مع الانتقال فيه ، ويستعار للشروع فى الحديث وغيره ، وأكثر ما يستعار لهُ إذا كان بوجه باطل ، أو كانوا إذا جلسوا خاضوا فى آيات الله بالتكذيب والاستهزاء والطعن فيها ، فهذا الخوض خوض بباطل بقرينة المقام ، وفى قوله : ﴿ حتى يخوضوا فى حديث غيره ﴾ مطلق الشروع فى الحديث الذى ليس بذنب ، لأن الحديث الذى هو ذنب لا يجوز القعود إليه أيضاً ، ويجوز أيضاً أن يراد بالخوض الأول مطلق الشروع فى ذكر آيات الله ، من حيث إنه إذا تناولوها فلا بد أن يخطوا أمر الله ورسوله والمؤمنين أن يقوموا عن مجلس فيه الخوض فى آياته تعالى ، بحيث لو نهوا الخائضين لم ينتهوا ليكف الخائضون عن الخوض بالقيام إذا قاموا .

ومعنى الإعراض عنهم القيام عنهم ، وإن كانوا قياماً أو ماشين ، فالذهاب عنهم ، والهاء فى غيره عائدة إلى القرآن المدلول عليه بذكر الآيات فى قوله : ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا ﴾ ولا مانع أن يراد بالآيات مطلق الدلائل ، فيفرد الضمير لأن المعنى البرهان ، ولا شك أن الخوض المنهى عنه ، وعن الجلوس عنده هو الخوض فى آيات الله بالباطل ، وأما الدخول فى التكلم فى صفات الله كما هو شأن المتكلمين ، فلا يدخل فى هذا الخوض كما زعمت الحشوية متمسكين بالآية .

﴿ وإمَّا ﴾ إن الشرطية وما التى هى صلة للتأكيد ، أدغمت النون فى الميم ﴿ يُنْسينَّك الشَّيْطان ﴾ النهى عن القعود إليهم حال الخوض أو أن ما هم فيه خوض فتقعد معهم وهم يخوضون ، وقرأ ابن عامر ، وابن عباس بفتح النون وتشديد السين ﴿ فَلا تَقْعد بعْد الذِّكْرى ﴾ بعد تذكرك أنك نهيت عن الجلوس إليهم حال الخوضن أو بعد تذكر إنما هم فيه خوض ﴿ مَع القَوم الظَّالمِينَ ﴾ أى معهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ، ليصفهم بأنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم بالخوض فى آيات الله ، وليصفهم بالإشراك تنبيها على أن ذلك الخوض شرك ، والشرك ظلم ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ أو ليصفهم بأنهم حمق إذ وضعوا الشئ فى غير موضعه ، ومن معانى الظلم وضع الشئ فى غير موضعه ، وذلك أنهم وضعوا التكذيب والاستهزاء فى موضع التصديق والاستعظام ، ويجوز أن يكون المعنى : وإما ينسينك الشيطان قبح القعود عند الخوض فى الآيات ، فلا تقعد بعد أن ذكرناك قبحة ، فلا تجالسهم وقم عنهم ، فإن مجالسة المستهزئ ينكرها العقل .

٢٬٠٤٤ / ٧٬٦٨٠