76
الجزء ٥ · صفحة ٦٠﴿ فَلما جنَّ عَليْه ﴾ ستره بظلامه واستعلى عليه ، وطاف عليه من جهاته ﴿ الليلُ رأى كوكباً قالَ هذا ربِّى ﴾ عطف على نرى عطف تفصيل وتبيين للإراءة ، وقوله : ﴿ كذلك نرى ﴾ معطوف على قال إبراهيم ، ويجوز عطف فلما جنّ إلخ على قال إبراهيم ، فتكون جملة كذلك نرى معترضة ، ورأى كوكباً جواب لما قال هذا ربى جواب سؤال كأنه قيل : ماذا كان أو ماذا قال حين رآه؟ فاجابه بقوله : ﴿ قال هذا ربى ﴾ ويجوز أن يكون رأى كوكباً بدل اشتمال من جن عليه الليل ، لأن رؤية الكوكب من سببيات إظلام الليل ، والكوب قيل هو الزهوة ، وقيل المشترى ، وكان قوم آزر يعبدون الكواكب والأصنام ، وجمهور المشركين لا يعبدون الأصنام فى ذلك الزمان ، وبديهة العقل تبع عبادتها ، وأما الكواكب فعبدوها لأنهم رأوا تجدد الفصول الأربعة ، وحدوث الأحوال المختلفة بسببها ، والفصول تحصل بتنقل الشمس ، فزعم كفار الرصد أن السعادات والنحوسات إنما هى بالاتصالات الفلكية ، والمناسبات الكوكبية ، فعظموا الكواكب فبعض عبدوها واسطة إلى الله ، وقالوا : إن الله تعالى فوض تدبير الخلق إليها فى العالم السفلى ، فهى تدبره وتعبد الله ، وبعض عبدوها وجحدوا الله وقالوا إنها واجبة الوجود ، قديمه لا تفنى ، وتدبر أمر العالم السفلى هم الدهرية .
ولما رأى الفريقان أن الكواكب تغيب ومنها الشمس والقمر ، اتخذوها أصناماً يعبدونها لا تغيب ، ويقصدون بعبادتها عبادة الكواكب ، فاتخذوا صنما للشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة للشمس وهى : الياقوت والماس ، وصنما للقمر من الفضة وهكذا ، وعباد الأصنام قليل من أهل ذلك الزمان ، وكثروا بعد لعنة الله عليهم ، وكان أهل الهند والصين يعتقدون أن الله سبحانه جسم أبهى ما يكون فيصورونه فى أبهى صورة ، ويصورون أيضا الملائكة فى هيئة بهية دون ذلك ، ويعبدون تلك الصورة تقرباً إلى الله وإلى الملائكة ، واعتقدوا أيضا أن الله فوض تدبير البحار إلى ملك ، وتدبير الجبال إلى ملك ، والغيوم والأمطار إلى ملك ، والأرزاق إلى ملك ، والقتال إلى ملك ، فاتخذوا لكل منهما صنما يطلبون ما يناسبه منه .
فلما كان قوم آزر يعبدون الأصنام والكواكب نبههم إبراهيم E بطريق النظر والاستدلال على ضلالتهم تنبيهاً تنزل فيه معهم على سبيل الفرض والتقدير إذ قال : الكوكب ربى ، وقال : القمر ربى ، وقال : الشمس ربى ، وهو فى ذلك كله موقن أن إلهه هو الله الواحد القهار ، أيقن من صغره وولادته ومن بطن أمه لأن أثبت ما ترسخ عليه الخصم إذا جريت معه فى مدعاه ، وسلمت بعض تسليم حتى يغتر ، وزعم بعض أن إبراهيم لم يشرك ، لكن عرف أنه لا بد له من إله ونفى أن يكون النجم أو الشمس أو القمر حتى تحقق أنه الله ، وذلك حين خرج من السرب .