71
الجزء ٥ · صفحة ٤٩﴿ قُل أنَدْعُوا من دثون اللهِ ﴾ الآية وصح أن يكون سبب النزول دعاءهم أبا بكر للأصنام ، ويكون الجواب من رسول الله A بصيغة نفسه وغيره ، للاتحاد الذى كان بين رسول الله A والمؤمنين ، خصوصا بينه وبين الصديق أبى بكر رضى الله عنه ، وتقدم استشكال أن يقال : نزلت آية كذا من الأنعام فى شأن كذا لنزولها بمرة واحدة ، ومعنى ندعوا نعبد .
﴿ ما لا ينْفَعنا ﴾ إن عبدناه ﴿ ولا يضرُّنا ﴾ إن لم نعبده ، أو ما لا طاقة له على نفعنا أو ضرنا مطلقاً وهو الأصنام ، والاستفهام توبيخ وتهديد ﴿ ونُردُّ على أعقابنا ﴾ أى نرد إلى ورائنا لأن عقبى القدم من خلفه ، وهو استعارة للوقوع فى الشرك بعد الكون فى الإسلام لمن كان قبل ذلك فى الشرك ، أو لم يكن ، وذلك أن الإسلام والعمل به سمعى إلى المراد وهو ثواب طاعة الله ورضاه ، فالإعراض عنه كالرجوع إلى خلف فى القبح ، وعدم الوصول إلى ما ذهب إليه ، ولك أن تقول : الرد على الأعقاب استعارة للوقوع فى الجهل الذى كان عليه الإنسان أولا كما قال الله جلا وعلا : ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ فى أحد الأوجه ، وعلى الوجهين فذلك استعارة مبنى على مجاز مرسل لأن الرد حقيقة فى الإيقاع فى الشئ بعد الكون فيه ، والانصراف عنه ، ثم استعمل فى مطلق الإيقاع فيه استعمالا للفظ المقيد فى المعنى المطلق ، والجهل الذى كان عليه الإنسان يشمل شرك من كان مشركاً ثم أسلم ، وعصيانه وجهله ، ويشمل جهل من لم يشرك قط وعصيانه ، وإن قلنا : الآية جواب مطابق لمن كان على شرك ثم أسلم ، ثم دعى إليه ، فالرد على الأعقاب كناية للرجوع إلى الشرك والراد هو إبليس وأعوانه من الجن والإنس أو الله باختيار العبد .
﴿ بَعْد إذ هدانا الله ﴾ إلى التوحيد والطاعة ﴿ كالَّذى اسْتهوتْه الشَّياطين فى الأرض ﴾ كالرجل الذى عالجت الشياطين هوية فى الأرض ، أى وقوعه فى هوية من الأرض ، فالسين والتاء للطلب ، فإن علاج الشئ طلب له ، ويجوز أن يكون معنى استهوته عالجت وقوعه فى الأرض المهلكة بالضلالة فيها ، والعطش والجوع ، ففى الوجه الأول تشبيه واحد ، وفى الثانى تشبيه مبنى على تشبيه استعارى ، فإنه شبه الإيقاع فى أمر مهلك ، والإهلاك بلا سقوط فى هوة من الأرض بالإيقاع فى الهوة ، ثم شبه الصرف عن الإيمان بإيقاع الرجل فى ذلك الأمر المهلك ، وفى الأرض متعلق باستهوت ، وقرأ حمزة استهواه بألف مما له ، والشياطين مردة الجن ، ومن أثبت الغيلان منها قال : أراد الغيلان .
والمتبادر من الآية ثبوت أن الشياطين قد تتخيل للإنسان فى سفره فتضله باتباعها ومنكر ذلك يقول : إن ذلك غير واقع ، ولكنه فرض مثال ، وكالذى متعلق بنرد ، أو بمحذوف حال من ضمير نرد ، أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف ، أى رداً ثابتاً كالذى استهوته ، أى كرد الذى ، أو الكاف اسم هو حال من الضمير ، أو نعت للمصدر المحذوف ، أى رداً مثل رد الذى استهوته ، ووجه الشبه أن الذى استهوته قد كان قبل استهوائه على إقبال من أمره ومن غويه ، ثم صرفته الشياطين عنه بأن أضلته فى طريقه فمات ولم يصل البلدة التى ذهب إليها .