69
الجزء ٥ · صفحة ٤٥﴿ ومَا عَلى الَّذينَ يتَّقُون مِنْ حِسابِهِم مِنْ شَئٍ ﴾ ما على الذين اتقوا المعاصى والخوض شئ من حساب هؤلاء الخائضين على معاصيهم وخوضهم ، قيل : لما نزلك ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا ﴾ الآية قال المؤمنون : إذا كنا لا نقرب المشركين ولا نسمع أقوالهم ، فما يمكننا طواف ولا قضاء عبادة فى الحرمن فنزل : ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ الآية ، وفى رواية عن ابن عباس : لما نزلك ﴿ وإذا رأيت الذين ﴾ الآية قال المسلمون : كيف نقعد فى المسجد الحرام أو نطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً؟ وفى رواية : قال المسلمون : إنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم ، فأنزل الله هذه الآية ، وما على الذين يتقون لا يصح عطف ذكرى على حساب ، أو على شئ إلا أن لكن لا تعطف بعد الواو ، وإذا كانت الواو قبلها فهى العاطفة للجملة ولا للمفرد ، وليست لكن عاطفة ، وأيضا لو عطف على شئ لزم تسلط من الزيادة ، على مثبت ، لأن ما بعد لكن مثبت ولزم تقييده بقوله : ﴿ من حسابهم ﴾ لأن من شئ مقيد به ، وسواء العطف على لفظ شئ أو تقديره ، إلا أن العطف على تقديره يضعف ، فيكون من لا تكون زائدة فى الإثبات ، وقد يجوز ذلك كله بناء على جواز زيادة من فى الإثبات . ولظهور أن من حسابهم لا يكون قيداً فى ذكرى ولو كان قيداً فى شئ .
﴿ ولكنْ ذِكْرى ﴾ ولكن عليهم ذكرى أى تذكيرهم بالنهى عن الخوض والاستهزاء ، فذكرى اسم مصدر بمعنى تذكير مبتدأ خبره محذوف كما رأيت ، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقاً ، أى ولكن ذكروهم ذكرى أى تذكيراً ، ويجوز أن يكون خبر المحذوف ، أى ولكن نهيهم تذكير لهم عن موافقة الخائضين والسكون لهم ، أو ولكن نهيهم تذكير للخائضين لعلهم يتركون الخوض بالنهى عن القعود إليهم .
﴿ لعلَّهم يتَّقُون ﴾ أى لعل الخائضين يتقون الخوض بتذكيرنا إياكم على القعود إليهم عند الخوض ، أو لعل الخائضين يتقون الخوض بتذكير الذين يتقون إياهم ، وتركهم الخوض لعله يكون بأن يؤمنون أو يستحيوا من الذين يتقون إذا نهوهم ، ويكرهوا مساءتهم ، ويجوز عود الضميرين إلى الذين يتقون أى لعل الذين يتقون يزيدون التقوى أو يدومون عليها ، ولا يفسخونها بمجالسة الخائضين .
واختلفوا فى قوله : ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ الآية ، فقيل : ترخيص ونسخ للنهى عن القعود مع الخائضين بشرط النهى ، وقيل : إن النهى ورد أولا مطلقا ، وقيده فى هذه الآية ، وهو أنه يجوز القعود مع النهى ، ويحتمل أن الأولى فيمن كان منظوراً إليه ، فينهى وإن لم ينتهوا قام ، والثانية فى غير المنظور إليه بنهى إن قدر ، وإن لم ينتهوا قعد منكراً لذلك ، أى ولكن ذكروهم إن قدرتم ، وكذلك هذه الآية قيل لقوله تعالى : ﴿ وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ﴾ الآية ، فإنه مطلق ، ويقيد بهذه الآية أى ولقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ، فلا تقعدوا بمعهم إلا أن تذكروهم ، هذا موجب الجمهور وهو أصح .
وقال سعيد بن المسيب وابن جريج ومقاتل : هذه الآية نسخت بقوله : ﴿ وقد نزل عليكم فى الكتاب ﴾ الآية ، ثم إنه قيل : الآية مختصة بالمسجد وفى شأنه نزلت ، من قدر على الإنكار فى المسجد فلينكر ، ومن لم يقدر قعد بلا إنكار ، ومن أنكر ولم يقبل عنه قعد ، وقال بعض :