82
الجزء ٥ · صفحة ٧٠﴿ الَّذِينَ آمنُوا ﴾ بالله ورسوله وكل ما يجب الإيمان به ﴿ ولم يَلبِسُوا ﴾ يخلطوا ﴿ إيمانَهم بظُلمٍ ﴾ هو الكبائر الشرك وما دونه ﴿ أولئكَ لَهم الأمنُ ﴾ من عذاب النار ، الذين مبتدأ ، وأولئك مبتدأ ثانٍ ، والأمن مبتدأ ثالث ، ولهم خبره ، والجملة خبر الثانى ، والمجموع خبر الأول ، وذلك من كلام اله جل وعلا من كلام الليل ، بين به أى الفريقين أحق بالأمن ، وتم كلام إبراهيم فى قوله تعالى ، ويجوز أن يكون تمام كلام إبراهيم مهتدون من قوله :
﴿ وهُم مُهتَدُون ﴾ إلى الحق ، ثم رأيت الوجهين للقاضى والحمد لله ، وإنما اخترت أنه من كلام الله تعالى ، لأن الأنسب بالمشرك المتوغل فى الشرك ، الحريص فيه ، يزحزح عنه بالتدريج فالأليق بإبراهيم أن يذكر لأبيه الإيمان ، فالولاية تفيد أنهُ من آمن ومات على ذنب مصر عليه ليس له الأمن ، فذلك كقوله تعالى : ﴿ أو كسبت فى إيمانها خيراً ﴾ وسواء فى ذلك الظلم ظلم نفسه بذنب ما بينه وبين الله ، أو ظلم غيره .
وما أكثر تخالط الأشعرية ، فتارة يقولون : الفساق بعضهم فى النار ثم يخرجون منها ، وبعضهم لا يدخلونها ولو ماتوا مصرين ، وتارة قالوا : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ، وقالوا فى الآية : ﴿ إن الظلم لشرك ﴾ وقالوا عن ابن مسعود رضى الله عنه : لما نزلت ﴿ ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ شق ذلك على المسلمين وقالو : أيتا لا يظلم نفسه ، فقال رسول الله A : « ليس ذلك إنما هو الشرك ، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه : يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم » فى رواية : « ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم » فإن صحت الرواية عن ابن مسعود رضى الله عنه فالمعنى أن رسول الله A قال : إن الآية وردت فى الشرك وخطأهم فى تفسيرها بمطلق الكبائر ، أو أراد أن مطلق الكبائر كالشرك بدليل الآى والأحاديث مثل : ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ومثل : ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ ومثل : ﴿ أو كسبت فى إيمانها خيراً ﴾ « وهلك المصرون » .
وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لأبى بن كعب : يا أبا المنذر آية فى كتاب الله أحزنتنى؟ قال : أية آية يا أمير المؤمنين؟ قال : قول الله : ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ قال أينا لم يظلم ، قال : يا أمير المؤمنين إنها ليست حيث تذهب ، ألم تسمع إلى قول العبد الصالح : ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ إنما هو الشرك ، وفهم عمر على العموم هو الحق ، ولعله A يشير إلى أن الآية فى أبى إبراهيم ، وأنها تفسر بالشرك ، لأن تفسيرها به أليق بجلبه إلى الإسلام ، بأن يذكر له أولا الإيمان لله ، ويذكر له أن لا يخلطه بالإشراك حتى إذا آمن وخرج عن الشرك ذكر له تفصيل الشرع ، وذلك أنه يمكن أن يقر بوجود الله ويعبد الأصنام مع ذلك فقال له إبراهيم : إنما الآمن من أقر به ، وخرج عن عبادة الأصنام وذلك فى الشرك ، يجبُّ الإسلام ما قبله ، ويستقبل بعده تفاصيل الشرع ومنها شرط الإصرار لما بعد وذلك لدلالة الآيات والأحاديث .