81
الجزء ٥ · صفحة ٦٩﴿ وكَيفَ أخافُ ما أشْركْتُم ﴾ ما أشركتموه من الكواكب والأصنام بالله ، مع أنها لا قدرة لها على مضرة أو إمساك خير عنى حتى إنى أعبدها لخوفى منها ، هذا ما لا يكون من عاقل ، ومن وقع منه هذا فهو أهل لأن يتعجب منه .
﴿ ولا تَخافُون أنكُم أشْركْتُم بالهِ ما لم يُنزِّل بهِ ﴾ أى ما لم ينزل الله به أى بعبادته أو بإشراكه ﴿ عَليْكم سُلطاناً ﴾ حجة من السماء ككتاب أو ملك ، أو ما لم ينصب عليه دليلا ولا شئ مما يعبد من دون الله ، نزلت به حجة ، فليس قوله : ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ قيداً واحترازاً ، بل بيان لحقيقة الأمر ، وهى أنه لا شئ مما يعبد من دون الله تعالى به حجة ، والجملة داخلية فى التعجيب ، والإنكار بكيف ، أى كيف أخاف ما لا تلحقنى منه مضرة وهو معبوداتكم ، ولا تخافون أنتم ما يلحقكم به ما لا يوصف من العذاب ، وهو إشراككم بالله تعالى ، وذلك أنهم أخافوه عليه السلام فى موضع الأمن وهو التوحيد ، فإنه لا مضر تلحق بالتوحيد ، وآمنوا فى موضع الخوف وهو الإشراك بالله الذى هو أعظم الذنوب ، والواو عاطفة على أخاف كما علمت من تولى إن الجملة داخلة فى التعجب والإنكار ، أو واو الحال .
﴿ فأىُّ الفَرِيقَينِ ﴾ الفريق الموحدين ، والفريق المشركين ، ولم يقل ولا تخافون من أشركتم به ما لم ينزل الآية ، لئلا يكون قابل الأصنام والكواكب بخالقها ﴿ أحقُّ ﴾ أى حقيق ، قاسم التفضيل ليس على بابه ، إذ لا تثبت لهما الحقيقة ويتفاضلان فيها ، بل هى لأحدهما فقط ، إلا أن تنزل لهم فى ثبوت الحقيقة من وجه ما على زعمهم فى الشرك ، ولم يقل : أينا أنا أم أنتم احترازاً من تزكية النفس التى يتوهمونها ، لأنه إذا توهموها منه لنفس أبعدهم ذلك عن الإيمان ، وليس كقوله : ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين ﴾ بأنهما ذكر الخبر فقط لصيغة اسم التفضيل ، وفى نسب ذكر الشر أيضا وذكر الجماعة وهى أقرب فى التزكية الإنسان نفسه .
﴿ بالأمْنِ ﴾ من عاقبة السوء المؤمن أحق بالأمن ، بمعنى أنه إن ختم له بخير كان أمناً بخلاف المشرك فلا آمن له حتى يتقدم إسلام من الشرك ﴿ إنْ كُنتم تعْلمُون ﴾ ما يحق أن يخاف منه ، أو إن كنتم تعلمون أيهما أحق بالأمن ، وعلى كل حال جواب إن محذوف دل عليه : ﴿ أى الفريقين أحق بالأمن ﴾ أى إن كنتم تعلمون فأخبرونى أيهما أحق به ، قال أبو حيان : هذا الاستفهام تعجب وإنكار .