93
الجزء ٥ · صفحة ٨٧﴿ ومَنْ أظْلم ممَّن افْترى عَلى اللهِ كَذباً ﴾ لا أظلم منهم إذ قال : إن الله بعثنى نبياً كمسيلمة الكذاب ، والأسود العنسى من صنعاء اليمن ، أو قال : إن الله حرم كذا وأحل كذا ، وهو ليس كذلك كعمرو ابن لحى ، وقد مر أنه أول من غير دين إسماعيل ، ونصب الأوثان ، وبحر البحيرة وسيَّب السائبة ، وشرع الوصيلة والحامى ، ومر أنهُ قال رسول الله A : « رأيته يجر قصبه فى النار » يعنى أمعاءه .
﴿ أو قالَ أوحِىَ إلىَّ ولَم يُوحَ إليْه شَئٌ ﴾ نائب أوحى هو قوله : ﴿ إلىَّ ﴾ ونائب يوح هو لفظ شئ ، ويجوز أن يكون شئ نائب أوحى ، ونائب يوح ضمير مستتر عائد إلى شئ ، لأن شئ فى نية التقديم ، وذلك مثل ما روى أن عبدالله بن سعد بن أبى سرح ، كان يكتب لرسول الله A ، فلما نزلت : ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ إلى قوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال عبدالله تعجبا من تفضيل خلق الإنسان : ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ فقال رسول الله A : « اكتبها كذلك نزلت » فشك عبد الله ، فقال : لئن كان محمد صادقاً لقد أوحى إليه ، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال ، فارتد ولحق بالمشركين ، ثم أسلم قبل فتح مكة ، والنبى A نازل بمر الظهران ، وكان قبل ذلك حين كان يكتب له A إذا أملى عليه سميعاً بصيراً كتب عليما حكيما ، وإذا أملى عليه عليما حكيما كتب غفوراً رحيماً ، والنبى A يقرأ كما نزل ، والصحابة يقرءون كما قرأ رسول الله A .
ومن قال : إن ذلك فى مسيلمة والأسود المنسى يقول : الآية مدنية ، لأن الأسود قتله فيروز الديلى قبل موته A بيومين ، ومسيلمة قتله خالد بن الوليد ، أو وحشى ، وتقدم الكلام على ذلك .
﴿ ومَن قَال سأنْزِل مثْل ما أنزلَ اللهُ ﴾ كالذين قالوا قد سمعنا لو شاء لقلنا مثل هذا ، وهم النظر بن الحارث ومن معه ، وقال عكرمة : ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى إلىَّ ولم يوح إليه شئ ﴾ فى مسيلمة ، وقوله : ﴿ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ﴾ فى عبدالله بن أبى سرح ، ومن معطوف على من المجرورة بمن ، ووجه ذلك أنهُ من قال لو شئت لقلت مثل هذا يتضمن أنه إذا شاء قال مثله ، ولا يمكن مثل إلا بوحى ، فكأنه قال : يوحى إلىَّ مثله ، وكذا فى ابن أبى سرح ، يعنى أنهما لم يقولا إن القرآن أنزله الله فكيف تفسير الآية بهما ، وفيها مثل ما أنزل الله ، ويجاب بأن المراد سأنزل مثل ما تقول إنه أنزله الله ، ويدخل فى الآية من نزلت فى شأن ﴿ ولو ترى ﴾ يا محمد أو بأن تمكن الرؤية منه .