91
الجزء ٥ · صفحة ٨١﴿ وما قَدرُوا الله حقَّ قَدْره ﴾ قال الأخنس : ما عرفوا الله حق معرفته ، يقال : قدرت الشئ أى عرفت قدره بصفاته ، ومن لم يعرفهُ بصفته قيل لم يقدره أى قدره ، وفى الحديث : « إذا غم عليكم فاقدروا له » أى فاعرفوه بإتمام عدة شعبان ، ولما كان قدر الشئ طريقاً وسبباً إلى أن يعرف الشئ به استعمل لفظ قدر بمعنى عرف ، والمراد حق قدره فى النعمة ، إذ جعلوا أعظم النعمة وهو بعث الرسل والوحى باطلا غير موجود ، أو قدره فى السخط والبطش على ن قال مثل ما قالوا من الكفرة ، أو قدره فى ذلك كله وسائر صفاته ، فعن أبى العالية : ما وصفوا الله حق صفته ، ولفظ الفخر عنه : ما وصفوه حق قدرته وعظمته ، وعن ابن عباس : ما عظموا الله حق عظمته ، هذا لفظ الفخر عنه ، وفى رواية عنه : ما آمنوا أن الله على كل شئ قدير ، وتلك معان صحيحة يرفع بعضها إلى بعض .
﴿ إذ قالُوا ما أنزلَ اللهُ عَلى بشرٍ مِنْ شَئٍ ﴾ لا وحى ولا كتاب ولا رسول ولا نبى من الله ، وذلك أن النبوة والرسالة بالوحى ، فإنكار الوحى لهما وللكتاب ، وضمير قدروا وقالوا لليهود على قول الجمهور وهو الصحيح ، وكانوا يختلطون بقريش فى مكة وغيرها قبل الهجرة ، وقد قالوا ذلكن فلما أنزلت سورة الأنعام جملة فى مكة ، أنزل ذلك فيها رداً عليهم ، إذ أنكروا الوحى إلى رسول الله A ، وأنكروا إنزال القرآن عليه ، وأنكروا كونه نبياً ورسولا ، وبالغوا فى ذلك حتى أنكروا غيره من الأنبياء والوحى إليهم ، بمالغة فى إنكار رسول الله A ، ويدل على أن ذلك فى اليهود لعنهم الله قوله تعالى :
﴿ قُلْ مَنْ انْزل الكتاب الَّذى جَاء به مُوسَى نُوراً وهُدًى للنَّاس تَجْعلونَه قَراطِيسَ تُبدونَها وتُخْفون كَثيراً ﴾ فإن غير اليهود لا يقرون بموسى عليه السلام والتوراة ، فكيف يحتج على غيرهم بهما إذ أنكروا سيدنا محمداً A ، وقريش لو خالطوا اليهود وذاكرو موسى والتوراة ، وتناولوا الإيمان بهما ، لكن لم يَبلغوا من الإيمان بهما بحيث يحتج عليهم بهما إذ لم يرسخ ذلك ، والذين يجعلون التوراة قراطيسَ يبدونها ويخفون كثيراً هم اليهود لا غيرهم ، والخطاب لهم ، ومن قرأ يجعلونه ويبدونها ويخفون بالمثناة التحتية وهو ابن كثير وأبو عمرو راعى قوله تعالى : ﴿ قالوا ﴾ وقوله تعالى : ﴿ وما قدروا الله ﴾ واليهود ولو لم يقرءوا التوراة وموسى ، لكن فيهم من أنكرهما مبالغة لغضبه ، وقوله : ﴿ قالوا احكم ﴾ على المجموع وأيضا أنهم ولو أنكروا ذلك على قائله وعزلوه لم يفعلوا ذلك لله ولا من قلوبهم ، لكنهم رأوا منه ما لا يروج عنهم ، فأظهروا الإنكار ، فلو نفع ذلك فى إبطال دين سيدنا محمد A لم ينكروه ولم يعزلوه .